إضَاءَاتٌ علَى طَرِيقِ الحَيَاةِ

TimeQuran

الأحد، أغسطس 07، 2011

فأيّ الفَريقيْن أحَقُ بالرَد ؟!!

















بين الفينة والأخرى تنطلق في الآفاق شبهات تتخطف القلوب السائرة على طريق الحق ، وترمي بها في مهاوي الضلالة والغي . فالمؤمن محاط بفتنتين ما حيِيَ : فتنة الشبهات والشهوات ، فالأولى تهدم الأديان ، والأخرى تهدم الأبدان ، ولا يشك عاقل أن الأولى فسادها أعظم وعاقبتها أشنع ،يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : واشتد نكير السلف والأئمة للبدعة ، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض ، وحذروا فتنتهم أشد التحذير ، وبالغوا في ذلك بما لم يبالغوا في إنكار الفواحش والظلم والعدوان ، إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد . مدراج السالكين 1 / 327 .

وكلما لبس الضلال لباس الدين والتقوى ، واتشح بوشاح الفضل والعلم فدرؤه أصعب وكشفه يستحيل إلا على العلماء الربانيين ، يقول الشوكاني رحمه الله : وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل ، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه ، وهم على العكس من ذلك والضد لما هنالك فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة ويدفعونه من شنعة إلى شنعة ، حتى يسلخوه من الدين ويخرجونه منه ، وهو يظن أنه منه في الصميم ، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم . فتح القدير 1 / 169 .

لذا فإن السلف رضوان الله عليهم قد اجتهدوا في كشف عوار المبتدعة أكثر من اجتهادهم في بيان ضلال أهل الإلحاد و الملل الأخرى ، واشتد نكيرهم على الأولين أكثر من الآخرين ، يقول ابن الجوزي رحمه الله : قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه : قال شيخنا أبو الفضل الهمذاني : مبتدعة الإسلام و الواضعون للحديث أشد من الملحدين ، لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج ، و هؤلاء قصدوا إفساده من داخل ، فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله ، و الملحدون كالمحاصرين من خارج ، فالدخلاء يفتحون الحصن ، فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له . الموضوعات 1 / 51 ، الصارم المسلول 2 / 329 . ويقول ابن القيم رحمه الله : فهم أعظم ضررًا على الإسلام وأهله من أولئك لأنهم انتسبوا إليه وأخذوا في هدم قواعده وقلع أساسه ، وهم يتوهمون ويوهمون أنهم ينصرونه . الصواعق المرسلة 3 / 821 .

ويخرج بعد هذا البيان قائلهم : أليس الأولى بكم الرد على العلمانيين واليهود والنصارى ؟!! من أن تردوا على إخوانكم المسلمين !! وعجبًا لقولهم !! أيرضى أحدهم أن تعيش بلاده بلا شرطة ، بحجة أن الجيش يكفي لصد العدو الخارجي !! ألا يرون في ذلك فساد البلاد والعباد بل وفساد الجيش نفسه الذي يقف على ثغور الإسلام في الوقت الذي تحمي أعراض الجند و تحفظ بيوتهم الشرطة !! ما أسوأ وأقبح أن تخالف العقل والنقل . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين ، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا ، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :  إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . مجموع الفتاوى 28 / 232 .

وقد حلت اللعنات الإلهية على بني إسرائيل لاجتنابهم إنكار المنكر إذا رأوه يقع من أقوامهم وأهليهم  يقول الله تعالى عن سبب لعنهم : " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يصنعون " 79 المائدة . فلا بد من تنقية الصف الإسلامي مما يشوبه من براثن البدع والخرافات ليصفو ويقوى على مواجهة العدو الخارجي ، ولكي يكون نموذجًا يحتذى لراغبي الهداية إلى الحق . يقول ابن تيمية رحمه الله : المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى ، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين . 28 / 53 .   

وإنه لمن مضار السكوت على المخالف ( 1 ) :
1- تعطيل الأصل الأصيل الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة المبطلين .
2- ارتفاع أهل الأهواء على أهل السنة .   3- مد المخالفة وامتداد رواقها وانتشارها .
4- فشو الشبهة ومداخلتها للاعتقاد الحق  . 5- تحريك العقيدة الحقة عن ثباتها وتضعيفها .
6- ظهور المبطلين في المجامع وعلى درجات المنابر ومشاغبة المصلحين والتحريش بهم .
7- إسقاط العقوبة الشرعية لأهل الأهواء .   
8- إغراء الغزاة لاجتياح ديار الإسلام بعد هوان العقيدة الصافية وضعفها على أيدي أهل الأهواء .
9- موات الغيرة على حرمات الدين واستعصاء إصلاح الدهماء على العلماء .
10- تحجج العامة بالسكوت على نسبة الأهواء والشهوات إلى الدين .

وهذه جملة من آثار السلف ( 2 ) في تعظيم المخالفة لأهل البدع ومجانبتهم وإظهار أن خطرهم على المسلمين أشد من العدو الخارجي وأشد من خطر أهل المعاصي والفسق : 

* قال أبو موسى : لأن أجاور يهوديًا ونصرانيًا ، وقردة وخنازير ، أحب إلي من أن يجاورني  صاحب هوى يمرض قلبي . الإبانة 2 / 468 .
* قال يونس بن عبيد لابنه : أنهى عن الزنى والسرقة وشرب الخمر ، ولئن تلقى الله - عز وجل - بهذا أحب من أن تلقاه برأي عمرو بن عبيد وأصحاب عمرو . الإبانة 2 / 466 .
* قال العوام بن حوشب في حق ابنه عيسى : والله لأن أرى عيسى يجالس أصحاب البرابط والأشربة  والباطل أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب الخصومات أهل البدع . البدع والنهي عنها لابن وضاح 56 .
* قال يحيى بن عبيد : لقيني رجل من المعتزلة فقال ، فقمت فقلت : إما أن تمضي وإما أن أمضي ، فإني أن أمشي مع نصراني أحب إلي من أن أمشي معك . البدع والنهي عنها لابن وضاح 59 .
* قال سعيد بن جبير : لأن يصحب ابني فاسقًا شاطرًا سنيًا ، أحب إلي من أن يصحب عابدًا مبتدعًا . الإبانة لابن بطة 132 .
* قال أبو حاتم : سمعت أحمد بن سنان يقول : لأن يجاورني صاحب طنبور أحب إلي من أن يجاورني صاحب بدعة ، لأن صاحب الطنبور أنهاه وأكسر طنبوره ، والمبتدع يفسد الناس والجيران والأحداث . الإبانة لابن بطة 2 / 469 .
* قال الشافعي : لأن يلقى العبد الله بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى . الاعتقاد للبيهقي 158 .
* قال أحمد بن حنبل : قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة ، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة ، فساق أهل السنة أولياء الله وزهاد أهل البدعة أعداء الله . طبقات الحنابلة 1 / 184 .

وأختم بفتوى للعلامة الصالح محمد بن صالح بن عثيمين درج فيها على فقه السلف واعتقادهم ، فهو من بقيتهم رحمه الله وقدس روحه :

سائل يقول : هل من الحكمة العمل مع الأحزاب الإسلامية التي تواجه العلمانية والشيوعية وغيرها من المبادئ الهدَّامة ؛ أم الحكمة ترك هذه الأحزاب وترك العمل السياسي مطلقًا ؛ جزاكم الله خيرًا ؟
 
الجواب : الحكمة في هذه الأحزاب ؛ أن نعمل بما كان عليه السلف الصالح من سلوك الطريق الصحيح في أنفسنا أولاً ؛ ثم في إصلاح غيرنا ؛ ( وفي هذا كفاية في رد الأعداء ) ، والعمل مع الفرق الأخرى الضالة التي تنتسب إلى الإسلام قد لا يزيد الأعداء إلاَّ شدة ( ! ) لأنهم سوف يدخلون علينا من البدع الضالة ؛ ويقولون : أنتم تقولون كذا وكذا ؛ لأننا أمامهم طائفة واحدة !! ؛ فيحصل لنا الضرر في هذا الاجتماع المشتمل على البدع والسُنة ، لكننا نجانب هذا كله وندعُو من طريق واحد ؛ وهو طريق السلف الصالح وكفى به كفاية ؛ وما هذا الفكر الذي يقول نجتمع كلنا من أهل السُنة وأهل البدع في مقابلة الأعداء ؛ ما هذا النظر إلاَّ كنظر من يقول : هات الأحاديث الضعيفة واجمعها في الترغيب ؛ واجمع الأحاديث الضعيفة في الترهيب من أجل أن يرْغب الناس في الطاعة وأن يرْهبوا من المعصية ، وهذا خطأ ( !! ) . ولهذا لا نرى إيراد الأحاديث الضعيفة لا في الترغيب ولا في الترهيب ؛ لا نرى إيرادها إطلاقًا ( ! ) ؛ إلاَّ مقرونة ببيان الضعف ؛ لأن في الأحاديث الصحيحة الكفاية . كذلك في طريق السلف الصالح ( الخالص ) من شوائب البدع فيه كفاية .اهـ ( 3 )
____________________________________________
( 1 ) با ختصار وإيجاز من كتاب الرد على المخالف لبكر بن عبدالله أبو زيد ، ص 81 - 83 . دار العاصمة بالرياض .
( 2 ) الآثار مستفادة من كتاب لم الدر المنثور من القول المأثور لجمال بن فريحان الحارثي ، ص 47 - 49 . مكتبة الهداية بالجزائر .
( 3 ) الفتوى على شبكة الإنترنت صوتيًا ومقاليًا .

الثلاثاء، أغسطس 02، 2011

شيزُوفرينيَا أهْل التعدِيل وَ التعْديل














يعرض لأحدهم ما يسمى بالشيزوفرينيا ، وهو مرض فصامي تتعدد فيه الآراء المتناقضة لدى نفس الشخص الواحد . فإذا ما أصابه ذاك المرض العضوي جراء أسباب تعرض لها في البيئة التي يعيش فيها عذرناه وتجاوزنا عما يصدر من فعاله ودعونا الله له بالشفاء والعافية . لكن إذا عمد معافٌ إلى التلبس بهذا المرض واتباع سنن المبتليْن به ، وهو في الحقيقة ليس منهم ، ولا مبتلا بمرضهم ، فهذا لا نعذره ولن نتجاوز عن أفعاله ، لكن سندعوا الله له بالهداية والعافية .

لن أتحدث كثيرًا عن علم الجرح والتعديل وفضله ، وكيف كان سببًا رئيسًا في حفظ الشريعة من التحريف والتبديل حتى الآن ، حتى حسدنا عليه أصحاب الملل المحرفة ، فقد أخرج الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع بإسناده عن عبدالله بن المبارك رحمه الله أنه قال : الْإِسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ . 2 / 213

ودرج السلف الصالح على بيان انحرافات الفرق كالخوراج والرافضة والمعتزلة والجهمية والمرجئة والقدرية  والصوفية وحذروا منها وممن يدعون بدعواها إلى عصرنا هذا ؛ حفاظًا على عقائد المسلمين وتصفية لها مما يكدرها من شوائب البدع والخرافات ، حتى نبتت نابتة جديدة ليس لها أثارة من علم ولا نصيب من علوم السلف وفهومهم ، ورموا علماء الجرح والتعديل بما ليس فيهم ، وألصقوا بعلم الجرح والتعديل ما ليس منه ، وقعّدوا وأصلوا أصولا ما أنزل الله بها من سلطان ، ليخلوا الجو لأهل الهوى فيبثوا سمومهم في المسلمين ، وقد كان .

ولست في صدد التأصيل لهذا العلم الجليل وسرد الأدلة وبيان آثار السلف ، فقد قام به الأكابر وكفونا مؤنة ذلك ، ولكني سأقف في هذا المقال فقط على بعض العجائب والغرائب المتناقضة المتخالفة التي تصدر منهم عن جهل بقدر هذا العلم وحملته ، وصدق ابن حجر رحمه الله عندما قال : ومن تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب . 

من ذلك هذان القولان المتناقضان : كل الدعاة على خير ×× إقرارهم بحديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة !! الذي أخرجه ابن وضاح في البدع 2 / 167 والمروزي في السنة 1 / 23 والآجري في الشريعة 1 / 307 وابن بطة في الإبانة  1 / 373 وصححه الحاكم في المستدرك 1 / 218 . 

ولا أدري ماذا يصنعون بهذا الحديث الثابت الصحيح !! أراح بعضهم نفسه وضعفه وليس لديه علم بالحديث لا رواية ولا دراية ، وإذا ضعفه فماذا يصنع بما ثبت عن الصحابة والسلف من التحذير من الفرق ورؤوسها والداعين إليها ! وكيف يكون كل الدعاة على خير والنبي الكريم عليه السلام قد قال كل الدعاة على ضلال إلا ... واستثنى صلوات الله وسلامه عليه نوعًا واحدًا فقط ! فهل يرون أن هذه الفرق وما فيها من ضلال كانت في العصور الأولى ولا وجود لها الآن ، إذا كان كذلك فالشرع والعقل والواقع يكذبون هذا . 

فأما الشرع فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام قد بين أن هذه الفرق المتوعدة بالنار ابتداءً ستقع في الأمة ولم يحد هذا بزمن ولا عصر ، ومعلوم لمن لديه أدنى معرفة بالشرع أن الضلال هو الغالب على العالمين ، وهذا من أقدار الله عز وجل الكونية لا الشرعية ، قال الله تعالى : " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " الأنعام 116 وقوله جل وعلا في العصر : " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " وإخبار النبي الكريم أنه في يوم القيامة يدخل الجنة من كل ألف واحد فقط كما في صحيح البخاري 4 / 138 . 


وأما العقل ، فلا يشك من أوتي أدنى دراية أن الضلال والغواية والانحراف تزيد وتتفحش مع تقادم الزمان وبعده عن زمن الرسالة ، تزايدًا اضطراديًا ، ومعالم الدين وعلومه تندرس وتقل كلما بعدت عن الأزمان الفاضلة والقرون المباركة . وأما الواقع فهو كالشمس لذي العينين فكل فرقة ضالة قد تولد عنها عشرات الفرق بل مئات الفرق الضالة ، التي تولدت عن الفرقة الأم ، ولا تجد بلدًا مسلما إلا وفيه من الفرق المنحرفة باسم الإسلام ما يعجز المرء عن عدّه وحدّه  !

ومن تناقضاتهم : إقرار - بعضهم - بوجوب اجتناب البدع ×× الثناء على أصحابها أوعدم التحذير من الداعين إليها !!

وكأن هذه البدع الضالة تمشي وحدها في أسواق المسلمين وتدخل بيوتهم ، وتدعو إلى نفسها بنفسها !! كيف تحذر ولدك من الكذب وعاقبته ثم تسمح له بمجالسة ومصاحبة من كان الكذب خلقه وديدنه ، ولا تحذر ولدك منه !! أو تقول له : بل هذا الكذاب الأشِر على خير !! يصرخ أحدهم بأعلى صوته بأن الصوفية أو الخوارج أو الأشاعرة مناهج مبتدعة وضالة ، ثم تسأله عن أحد منظري هذه المناهج  أوالمنافحين عنها ، فيقول لك : هو على خير ، لا بأس به !!

قال شيخ الإسلام في المجموع 28 / 230 :  وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: أنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم. ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد . 
 

ومن تناقضهم : قولهم : إن الجرح والتعديل خاص بزمن الرواة ×× استشهادهم بأقوال أئمة الجرح والتعديل على مذهبهم المنحرف !!
 
وهكذا الهوى يهوي بصاحبه ، فإذا كان علم الجرح والتعديل معهم  في شيء - زعموا - رفعوا شأنه واستشهدوا بعلمائه ، وإذا كان ضدهم وفاضحًا لعوارهم ، نفوا أن يكون له وجود فيما بعد عصر الرواة ! ولمزيد بيان نقول : هم يشنعون على علماء الجرح والتعديل في هذا العصر بقولهم لا حاجة في الكلام في أهل البدع في هذا الزمان فالجرح والتعديل  خاص بزمن الرواة ، ثم هم في موطن آخر عند تحذير العلماء من أهل البدع والضلال وذكر سيئاتهم ، يقولون : ما بالكم لاتنصفون ولا تعدلون وتذكرون الحسنات والسيئات كما فعل الذهبي وغيره . ونقول : إذا أسقطتم كلام الذهبي وغيره على المجروحين في هذا العصر ، فهذا اعتراف ضمني بأن الجرح والتعديل لا يخص زمن الرواة ! فها أنتم تستدلون بآراء علماء الجرح والتعديل في المجروحين وتسقطونها على مبتدعة العصر ! 

والشيء بالشيء يذكر ، فإن منهج الموازنات بين حسنات أهل البدع وسيئاتهم باطل ، فقد قال الخطيب البغدادي في الكفاية 117 : قال نافع بن أشرس : كان يقال : من عقوبة الكاذب ألا يقبل صدقه ، قال : وأنا أقول : من عقوبة الفاسق المبتدع ألا تذكر حسناته .  

إن الغاية من هذا العلم الجليل هو تنقية السنة النبوية مما يشوبها من الكذابين والوضاعين والمبتدعة ، وإن كان زمان الرواية ومجالس التحديث قد انتهت فما زال المبتدعة ينشرون ضلالاتهم في الآفاق ، ولذا فقد ذكر شيخ الإسلام فيما نقلناه آنفًا بعد أن ذكر الكلام في الرواة تجريحًا وتعديلا  أن الكلام في أهل البدع أحد غايات هذا العلم ، حيث قال : ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد . 

ومن تناقضهم :  لومهم علماء الجرح والتعديل كونهم يحذرون من أهل البدع  ×× التحذير من علماء الجرح والتعديل !!

وهذا من العجب العجاب ، يقول الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " ، فإذا كانوا يرون أن الجرح والتعديل خاص بزمن الرواة ، أو أن الدعاة كلهم على خير ولا ينبغي التحذير من أحد منهم ، فلم إذن يحذرون من العلماء الربانيين الذين يكشفون عوار أهل البدع ويبينونها لعموم الأمة ! 
                                  أحرام على بلابله الدوح              حلال للطير من كل جنسٍ

ومن تناقضهم : إقرار - بعضهم - أن البدعة أعظم من المعصية ×× التحذير من أهل المعاصي بأشنع الأساليب !!

تراهم يقفون أمام دعاة البدع وقفة إجلال واحترام ، أو سكوت عنهم وعن انحرافاتهم ، و أمام دعاة المعاصي والفسوق ، تجدهم يشنعون عليهم بأقبح ألوان التشنيع والتحذير ، بل قد وصل الأمر بالبعض إلى حد تكفيرهم ! فكيف لهؤلاء يرون البدعة أقبح وأعظم جرمًا من المعاصي ، ولا يحذرون من أصحابها ، ويحذرون مع أصحاب المعاصي ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقًا بأهل الكبائر ، شديدًا على الذين يحدثون في الدين كموقفه عليه السلام من الثلاثة الذين زهدوا في النوم والطعام والنكاح دينا وتقربا إلى الله ، وككلامه عليه السلام في الخوراج ووصفهم بأنهم كلاب أهل النار ، على حين لم يكفر الخوراج جمهور أهل السنة والجماعة ، ونظائر ذلك كثير في كتب السنن ليس هذا المقال مكان بسطها .

وفي خاتمة هذه الوقفات ، دعوة للتأمل في كلام الإمام يحيى بن يحيى النيسابوري الذي قال فيه : الذب عن السنة أفضل من الجهاد . نقد المنطق 12 . وفقنا الله لما يحب ويرضى ، وجعلنا من عباده السعدا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

الخميس، يوليو 21، 2011

بَين الديموُقراطيّة و الليبرَالّية













  




في خضم ساحة الأوهام التي يعيش فيها كثير ممن يسمون بالإسلاميين .. وفي ظل الفوضى التي تمر بها البلاد ، أخذ هؤلاء على عاتقهم موضوع الشريعة ليقيموها فافتنوا في هدمها . يصيحون في كل المجامع والمجالس أن لا لليبرالية المنحرفة ونعم للديموقراطية التي يؤيدها الإسلام - زعموا - ، وما انفكوا عن تشويه الليبرالية وتزيين الديموقراطية .

وبالرجوع إلى تعريف تلك المصطلحات التي لولا جهل المسلمين وتخلفهم ما راجت ولا ذاعت ، تجد أن الديموقراطية الغربية التي ينادي بها هؤلاء هي عين الليبرالية ، يقول بعض المنظرين الغربيين في هذا المجال : " الديمقراطية الليبرالية (أو الديمقراطية الدستورية) هو الشكل السائد للديمقراطية في القرن الحادي والعشرين ومصطلح الليبرالية في "الديمقراطية الليبرالية" يشير إلى فكر الليبرالية السياسية ، ومن سمات هذا النوع من الديمقراطية وجود حماية لحقوق الأفراد والأقليات من سلطة الحكومة ، وتقوم الديمقراطية الليبرالية على تكريس سيادة الشعب عن طريق الاقتراع العام وذلك للتعبير عن إرادة الشعب واحترام مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وأن تخضع هذه السلطات للقانون من أجل ضمان الحريات الفردية وللحد من الامتيازات الخاصة ورفض ممارسة السيادة خارج المؤسسات لكي تكون هذه المؤسسات معبرة عن إرادة الشعب بأكمله " . (1 )

بل إن الليبرالية أكثر تحفظًا وتقييدًا من الديموقراطية إذا افترقا المصطلحان ، يقول منظروهم : " بينما الليبرالية تؤكد على حماية حقوق الأقليّات والأفراد ، وهذا نوع من تقييد الأغلبية في التعامل مع الأقليات والأفراد بخلاف الأنظمة الديمقراطية التي لا تشتمل على دستور يلزم مثل هذه الحماية " . ( 2 )

 فأي ديموقراطية يريدون !! إذا رغبوا عن الديموقراطية الليبرالية الغربية فأمامهم إذن مايسمى بالديموقراطية اللاليبرالية ( وتسمى أيضا الديمقراطية الزائفة ، الديمقراطية المنحازة ، الديمقراطية الفارغة )  والتي هي : " عبارة عن نظام حكم تصل فيه الحكومة عن طريق الانتخابات لكن أفراد الشعب لا يحصلون على حقوقهم بسبب غياب دستور في الدولة أو هيكل دستوري قانوني مناسب للحفاظ على الحريات المدنية كما في الديمقراطيات الليبرالية " .( 3)

 وبناء على ماسبق فالديموقراطية الليبرالية هي خير للإسلاميين !! إذ لو حادوا عنها لضاعت جهودهم ولذهبت أدراج الرياح . فهل هم يعرفون ماذا يريدون ؟!! إم إن الهوى يهوي بصاحبه .

  ومن خلطهم وتلبيسهم قولهم إن الليبرالية هي العلمانية والحقيقة غير ذلك ، فالعلمانية أشمل من الليبرالية ؛ فالأولى تفصل الدين عن الحياة بكل صورها حتى الحياة الشخصية ، أما الثانية فلا تُدخل في ذلك الفصل الحياة الشخصية . ( 4 )

أما آن لعقلاء القوم أن يفيقوا ، أما آن لهذه الغثائية أن تستبدل النافع بالزبد ، ونور الحق بظلام التبعية ، وطريق الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة باستنانهم بالغرب الكافر .. اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلا .  --------------------------------------------------------------------------------
1- * الديمقراطية والليبرالية: بين التكامل والصراع، معتز بالله عبد الفتاح، جريدة الشروق أغسطس 2010   
* http://www.britannica.com/EBchecked/topic/339173/liberalism 
* Kwasi Wiredu, William E. Abraham, Abiola Irele, Ifeanyi. "Fellowship Associations as a Foundation For Liberal Democracy in Africa." A Companion to African Philosophy. Blackwell Publishing, 2006. p. 45  
2 - * http://www.britannica.com/EBchecked/topic/339173/liberalism 
3 - * Juan Carlos Calleros, Calleros-Alarcó,The Unifinished Transition to Democracy in Latin America, Routledge, 2009, p1
*The Rise of Illiberal Democracy, Foreign Affairs, November/December 1997. 
 4 - * http://www.britannica.com/EBchecked/topic/339173/liberalism --------------------------------------------------------------------------------              
هذه المراجع مستفادة من موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا بتصرف

الجمعة، يوليو 08، 2011

مـَاذا لـَو ؟!




















ماذا لو أتى صحابيٌ جليل - وحاشاه أن يفعل - بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليستأذنه في حضور حفل افتتاح ضريح معاذ بن جبل رضي الله عنه ؛ ذلك أنه الصحابي الذي اهتز لاستشهاده عرش الرحمن ، ولا بأس أيضًا من أن يُبارك بعض الطوّافين بهذا الضريح والمتمسّحين به ؟!

ماذا لو دخل صحابيٌ جليل - وحاشاه أن يفعل - مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ودعا النبيّ عليه السلام وأبا بكرٍ وعمر وعثمان وعليًا وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم وأرضاهم ، إلى حفلةٍ راقصةٍ فيها ذكر الله والصلاة على رسول الله ، ألسنةٌ ذاكرة وخواصر ورؤوس في الهز ماهرة ؟!

ماذا لو نادى صاحبيٌ جليل - وحاشاه أن يفعل - في جموع الصحابة ومعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هلموا إلى إعادة بناء وترميم مقابر البقيع ، نبني عليها القباب الملونة العظيمة ونجصصها ونكتب عليها أسماء أصحابها .. ماذا لو فعل ذلك وكلمات النبي ما زالت في مسامعهم منذ يومين أو أكثر حين نهاهم عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها - رواه مسلم من حديـث جابـر رضي الله عنـه - ؟!

ماذا لو جمع صحابي جليل - وحاشاه أن يفعل - سعد بن معاذ وحنظلة و سعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة عامر بن الجراح وعمرو بن العاص رضي الله عنهم  وغيرهم ، وكونوا تجمعًا خاصًا بهم دون سائر الصحابة ، تحت مسمى إسلامي أو سياسي أو اجتماعي أو حتى ترفيهي ، ماذا لو علم النبي الكريم أن لهم اجتماعاتهم الخاصة بعيدًا عن باقي الصحابة ، وأن لهم مجالس في أماكن معينة غير التي يرتادها باقي الصحابة ، وأن لهم أنشطة خاصة بهم لا يمارسونها مع باقي الصحابة ، وأنهم يبايعون قائدهم على السراء والضراء ، كما أنهم حريصون كل الحرص على اعتلاء منبر مسجد قباء ، ومنبر مسجد ذي القبلتين فإذا ما تمكنوا منهما لن يمكنوا أحدًا من الصحابة الذين لم ينضموا إليهم من اعتلائه ؟! ماذا لو جلسوا بجانب النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجده وهو يأمر المؤمنين بأداء الزكاة الواجبة وبأداء خمس الفيء والغنيمة وغيرها من الواجبات المالية في الشريعة الإسلامية ، وهم في نفس الوقت وفي مجلس يجاور مجلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  يأمرون مريديهم بواجب مالي آخر محدد القيمة يدفع لهم دوريًا وباسم الشريعة ؟!

ماذا لو أتى صحابي جليل - وحاشاه أن يفعل - بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه رضوان الله عليهم ، يبشرهم ويهنؤهم بنجاح ترجمته لكتاب يوناني اسمه " الديموقراطية مخرجة الشعوب من الظلمات إلى النور " إلى اللغة العربية ، وأنه كتاب لا مثيل له في سياسة البلاد والعباد ، كتاب فيه جميع الحلول العلمية والواقعية لمجتمع المدينة النبوية الجديد ، كتابٌ الحاجة إليه ماسة ، فنحن في صدد إنشاء أول دولة إسلامية في التاريخ ؟! ماذا لو أطنب هذا الصحابي مسامع النبي الكريم بأن المرجع في هذا النظام والتحاكم فيه لا إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ، إنما المرجع والحكم للعامة والدهماء ولو خالف شرع الله ، ففيه هم أصحاب القرار وبهم تسن التشريعات التي يجب أن يتحاكم إليها الصحابة ؟! ماذا لو سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الكلام ؟! كيف تراه فاعلا بصاحبه وبمن وافقوه ؟!

ماذا لو اتفق الصحابة والتابعون وعلماء القرون الثلاثة المفضلة - وحاشاهم أن يفعلوا - على قبول فكر الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والمجسمة والرافضة وغيرهم  كأصحاب فكر تنويري وثراء إسلامي ؟! ماذا لو قالوا : إنهم على هدى مستقيم !! و قد جانبهم الصواب في بعض المسائل ، لكنهم مع ذلك فهم على خير كثير ، ولهم مجهودات طيبة في الدعوة ، وأسلم على يديهم كثير من الناس ، فلا بأس من الانضمام إليهم والعمل تحت لوائهم ،  فقد تختلف الطرق والمناهج لكن المهم اتحاد الهدف و هو خدمة الإسلام ؟!!  ماذا لو قبلوهم ولم يحذروا الناس منهم ومن انحرافاتهم ؟! تُرى كيف سيكون مضمون الدين وكنه الشريعة التي كانت ستصل إلينا في القرن الحادي والعشرين ؟!

ماذا لو طالب صحابي جليل - وحاشاه أن يفعل - بأن نرد الصاع لأعداء الإسلام صاعين ، وأن نريهم أسود الإسلام كيف تزأر وتدافع عن بيضة الإسلام وتحمي أهله ، وأن نرد كيد الأعداء في نحورهم وأن نريهم عزة وعز الإسلام وأهله ، وكيف أننا نؤثر الموت على الحياة في سبيل الإسلام ، وذلك عن طريق الامتناع عن أكل طعام الأعداء و شرب عصائرهم ، وبأن نمشي في طرقات المدينة النبوية معقل العزة والشرف ومأوى الأسود والشجعان ونقول : لا لقبيلة قريش .. يسقط أبو لهب ؟!

ماذا لو طلب صحابي جليل - وحاشاه أن يفعل - من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لعائشة بنت الصديق وفاطمة بنت محمد وحفصة بنت عمر وزينب بنت حنظلة وآمنة بنت الأرقم رضوان الله عليهن أن يجلسن مع الصحابة جنبًا إلى جنب في حضرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم  وفي مجلسه، أو حتى في غيابه ، لا سيما وهن أشرف نساء العالمين وأطهرهن وأكثرهن عفة واحترامًا وأفضلهن خلقًا ، والصحابة الكرام كذلك أيضًا عفة واحترامًا وخلقًا ، ولا بأس أيضًا من أن يتسامروا معًا ما دام المجلس خاليًا من ألفاظ خادشة للحياء - وعجبًا لحياءٍ يستحي منه الحياء - ؟!

ماذا لو عرض صحابي جليل - وحاشاه أن يفعل - على النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ حفيديه الحسن والحسين رضي الله عنهما وعن أبيهما وعن أمهما ،  وهما مازالا صغيرين في مهدهما لم يتعلما شيئًا بعد ، اللهم إلا القليل من أركان الإسلام وبعض اللغة العربية ، وأن يعلمهما - مجانًا وبدون مقابل - اللغة اللاتينية ليكونا بارعيْن فيها كتابة وتحدثًا ؟! ماذا لو عرض عليه ذلك وهما لم يتعلما شيئًا من القرآن الكريم ، ولم يتقنا بعد اللغة العربية ؟!

ماذا لو طلب صحابي جليل - وحاشاه أن يفعل - من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشاركه في رحلة خلوية بصحبة بعض الصحابيات - وحاشاهن المشاركة - لقضاء بعض الوقت والاستماع لبعض المغنيين والمغنيات ، ثم الاستمتاع بالفرجة على بعض الراقصين والراقصات ؟!

ماذا لو عاش النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم بين ظهرانينا في هذا الزمن ، ورأى ورأوا ماذا حل بنا وما ألمنا من المصائب والمدلهمات ؟! ماذا تراهم فاعلين ؟!!

     

السبت، يونيو 25، 2011

حَدِيثُ الفَزّاعَات



















 ربما تتعدد وسائل الدعاية لمنهج ما ، أو تختلف طرائق الهيمنة على مجموعة ما من البشر ، أو ربما تسيطر على أحدهم وسائل الإرهاب الفكري لنشر معتقداته ومبادئه ، لكن تبقى وسيلة " الفزَاعة " أقلها نبلا وأضعفها حُجة . الفزَاعة كما ذكر أهل اللغة لها معنيان : إما بمعنى الكثير الفزع أو الذي يُفزع ، والمعنيان ينسحبان على فزاعات الآونة الأخيرة وينطبقان عليها .

 لجأ بعض ولاة الأمور في كثير من بلادنا إلى استخدام فزاعة الإسلاميين في وسائل إعلامهم المرئية والمسموعة وعلى صفحات جرائدهم ، عن طريق إضعاف شوكة هؤلاء الإسلاميين ، أو تشويه صورتهم بذكر أخبار تنفّر الناس منهم وتثير كراهيتهم ، أو بإظهار جمودهم وجهلهم وتخلفهم ورجعيتهم ، أو بإلصاق التهم بهم ، إلى غير ذلك من الوسائل . اعتقادًا منهم أن ذلك يثبت أركان حكمهم ويوطد دعائم دولتهم ، كما أنه يضمن رعاية القوى الكبرى ودعمها إياهم . 

فزَاعة لطالما أتت على كثير من الأخضر واليابس لدى هذه الأمم ، فكم أنفق هؤلاء الحكام أموالا على تلكم الوسائل ، وبذلوا الكثير من جهدهم وأوقاتهم فيها ، وبدلا من أن تقل أعداد الإسلاميين نراهم يتزايدون ويتزايدون ، ولكنها زيادة عليها غبش وفيها عطن و ملؤها الغثائية والغبن . ذلك أن الممنوع مرغوب فمتى حذرت ومنعت وسفَهت أحدًا لا بد وأن يتساءل الناس عنه ويبحثوا عن حقيقته ، وفي ساحة الفراغ العقلي والخواء العقدي والغياب العلمي ، نمت كثير من الأفكار المنحرفة عن الإسلام باسم الإسلام ، وتزايد أتباعها وتفرقت مذاهبها ، وكل حزب بما لديهم فرحون .

كان ينبغي على ولاة الأمر العناية بتعليم المسلمين صحيح الدين ونشر السنة بين الناس ، وتعليم الصغار قبل الكبار أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ومذهب الصحابة الكرام والقرون المفضلة ، فبها يتميز الحق عن الباطل وبها ينأى الشباب عن الوقوع بأنفسهم في براثن البدع العقدية والعملية ، ويتحررون من قيود الحزبيات المقيتة ، والتبعية المذمومة والتقليد الأعمى لبشر مثلهم يخطئون أكثر مما يصيبون ويفسدون أكثر مما يصلحون . عناية تنقذهم من العصبية للأشخاص والولاء والبراء تجاه أفكارهم والموالاة والمعاداة عليها . فزَاعة لم تأت بخير أبدًا لا للحاكم ولا للمحكومين ، اللهم إلا خفوت أصوات الأحزاب المسلحة وضعف شوكتها واستئصال شأفتها .

واليوم وبعدما ذاق الإسلاميون مرارة الفزّاعة الأولى واكتووا بنارها ، وبعد أن كانوا يرون أنها بخست حقوقهم ولم تنصفهم أمام الناس ، وأنها وسيلة من لا وسيلة له ، ها هم اليوم  يستخدمونها ضد ما يُسمى بالعلمانيين . فهم يشوهون صورتهم ويسيئون إلى أشخاصهم ويذكرونهم بالسوء وقبائح الأمور وأرذلها مما قد يكون فيهم أو قد لا يكون . وفي حقيقة الأمر تختلف العلمانية من بلد لآخر وتتفاوت صورها ودرجة قوتها وانحرافها ، فما بين الإلحاد إلى إبعاد الدين عن السياسة مع الرضا بالدين ، ثمة درجات وطبقات لا ينبغي إغفالها عند معالجة ما يسمى بالعلمانية . وغالب الظن أن هؤلاء الذين يسمون بالعلمانيين ويعيشون بين ظهرانينا هم أقلهم درجة وأدناهم مرتبة إذا ما نظرنا إليهم بالمقارنة بما هو كائن في أرجاء العالم .

إن هذا العلماني الذي يعيش بيننا وإن اتفقنا على قبح مذهبه وانحراف فكره ، إلا أن طريقة تلك الأحزاب التي تسمى بالإسلامية في مواجهتم لا تزيد هؤلاء إلا قوة وبأسًا ، ذلك أن انحرافات كثير منهم  وخاصة من تشرَب فلسفات الغرب وعقائده واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار للقاصي قبل الداني وللجاهل قبل المتعلم ، ولغير المتدين قبل المتدين . ماذا تنتظر من أي مسلم عندما يسمع أن أحدهم يكره سنن الإسلام الظاهرة ، أو أن أحدهم يسفَه رموز الإسلام العالية ، أو يبغض مظاهر الإسلام في الحياة العامة ، أو يفصل الدين عن الحياة كلها ، أو يتكلم في حق الله جل في علاه بما لا يليق ! 

وهم مع ذلك يستغلون تهافت هؤلاء الإسلاميين على الرد عليهم في صنع أبطالهم وتلميع مفكريهم . وما كان لهم أن يشتهروا ولا أن يعرفوا من الأساس لو لا تسليط الضوء عليهم والسعي في كل الأماكن وخلال كل المنتديات إلى فضحهم وبيان عوراهم . ومما نأسف له أن كثيرًا من الأحزاب المسماة بالإسلامية لم تجد طريقًا أقصر ولا وسيلة أسرع إلى جمع الناس حولهم إلا استغلال عاطفتهم تجاه الدين ، وغيرتهم من أن يمس بسوء . وعند هذه النقطة تلاقت رغبتا العلمانيين والإسلامين ، والناس فيما بينهم كفريسة تتصارعها فكوك السباع .

كثير من علمانيي منطقتنا تتصارع في عقولهم تقاليد ومعتقدات أوطانهم و تقاليد ومعتقدات الغرب ، وكم منا يستطيع من خلال هذا الصراع أن يعود بهم إلى صحيح معتقدهم ، ومن أبى فقد قال الله تعالى في حق من هم أقبح منهم : " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء " . ولو أردت أن تبحث في أصول ضلال هذا العلماني ، أو في أسباب غيَه وفساد فكره ، لن تجد أمامك إلا أصلين رئيسين : الأصل الأول : تشرَبه لفلسفات الغرب ومعتقداتهم المخالفة للإسلام ، وقد ذكرنا من قبل صورًا لذلك . والأصل الثاني : تشربه لفكر أحد المفكرين العقلانيين الذين يسمون بالإسلامين ، والاستدلال بأقواله وكتبه على انحرافه وضلاله . والأصل الثاني أشد خطرًا وأكثر عددًا ، فكم منهم إذا قيل له : الإسلام يحرم كذا أو يمنع كذا ، قال لك : لكن المفكر الإسلامي فلان أباحه وأحله ، إذا قيل له : السنة وأحاديث النبي الكريم تقول كذا وكذا يقول لك : لكن المفكر الإسلامي فلان يقول بأن أحاديث الآحاد لا تقبل وتكفينا المتواترة ، وما علم هو ولا مفكره ذاك أن الأحاديث المتواترة لا تزيد عن المئة إلا قليلا ، وأن جل الأحاديث النبوية  آحاد ، وعليها قامت أكثر شعائر الدين . إذا قيل له يجب على المرأة كذا وكذا من الأحكام الشرعية ، قال لك : لكن المفكر الإسلامي فلان أباح لها ذلك وأقره ، وقد لا يستدل بهذا المفكر لتعظيمه واحترامه له وإنما للانتصار لقوله وحسب ، وقس على ذلك .

رحم الله سلفنا الصالح حيث أكدوا  وبينوا أن البدع وأهلها أشد خطرا على الإسلام وأهله من العدو الخارجي ، ذلك أنهم يهدمون من حيث لا يعلمون ، وضررهم على الناس خافٍ ، ومساوؤهم في تفريق الكلمة وذهاب ريح المسلمين ظاهرة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : قال أبو الفضل الهمداني رحمه الله تعالى : مبتدعة الإسلام و الكذابون و الواضعون للحديث أشد من الملحدين ، قصدوا إفساد الدين من خارج ، و هؤلاء قصدوا إفساده من داخل ، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله ، و الملحدون كالمحاصرين من خارج ،  فالدخلاء يفتحون الحصن ، فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له . [ الصارم المسلول ٢ /  ٣٢٩ ]

وعليه فللقضاء على طائفة لا بأس بها من العلمانيين لا بد من تنقية وتصفية ما ينشر ويكتب ويؤلف ويلقى على مسامع الناس باسم الإسلام ، والتوجيه وبذل النصح في هذا الباب ، والأخذ على أيدي القائمين على ذلك بالنصح تارة وبالتحذير تارة إذا ذاع ضلاله وغدا كلامه حديث الناس في مجامعهم ودينًا يدينون الله به ويلقونه عليه . وأما الطائفة المتلبسة بالأصل الأول وحسب   فبيان تلبيسهم وضلالهم واجب بلا شك وإن كان لا يُحتاج معه إلى كثير بيان ، ولا لعظيم جهد .

وإن يكن بعد هذا الطرح من فزَاعة تستحق الخوف والفزع حقًا وصدقًا ، فإنما هي الوقوف بين يدي الله عز وجل " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " ، " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " .    

الجمعة، مايو 06، 2011

مَن يقُود السَّفينة ؟!

















إن العلاقة بين الحاكم والمحكوم دائما ما كانت مثار جدل عبر التاريخ الإنساني كله ، فكم من حاكم قاد رعيته بالحديد والنار ، وكم من شعب ثار على حاكمه واستأصل شأفته وقتله شر قتلة . وبين هذا وذاك يظهر حاكم عادل يسود رعيته بالحب والعدل ويدين له رعيته في المقابل بالطاعة والحب والولاء ،بيد أن هذا النوع من القلة بمكان حيث يعدون على أصابع اليد في تاريخ بلد أو أمة ما .

لم تفلح كثير من الأمم في تنظيم شئونها وتعديل مسار تاريخها السياسي فعاشوا حياة الفوضى والهمجية وساد في بلادهم قانون الغاب ، فكثير من شعوب أوروبا إبان عصورهم المظلمة كانوا على هذا الدرب الوحشي . على حين اختارت الشعوب التواقة للتحضر والتقدم أن تحكمها مؤسسات تتمثل في الحاكم وما يعينه على تسيير شئون البلاد والعباد ، وتأكد لها أنه لامناص عن هذا الحل إن أرادت الرفعة والسمو لبلادها . وما إن وصلت البشرية إلى هذا اليقين حتى سعت في تكوين العديد من التصورات للحاكم الذي يدير البلاد .
 
فحضارات قديمة كالفراعنة والبابليين والصينيين وغيرهم عمدوا إلى هذا الحل وأنشأوا أول حكومات تدير البلاد في التاريخ . وطفت على سطح الأحداث في تلك الأزمان مسألة ضمان الطاعة والولاء والالتزام الأخلاقي تجاه الحاكم حتى تستقر أمور البلاد ، فكان لجوؤهم إلى فكرة تأليه الحاكم ضرورية حتى يطمأنوا إلى استمرار ولاء الرعية لحاكمهم ، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير .

فما بين التأليه والفوضى عاشت الشعوب جزءا لا بأس به من التاريخ الإنساني . لكن الحقيقة التاريخية التي لا يستطيع إنكارها عاقل هو أن الأمم التي نصّبت حاكما لها ولو ادعوا ألوهيته شيّدوا أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ . 

ثم حدث أن شهد التاريخ الإنساني نموذجًا مثاليًا للحاكم بظهور الإسلام ، حاكم يستمد استقراره وقوته و ولاء شعبه من رافدين أساسيين : الالتزام الأخلاقي الشرعي بوجوب طاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية ، وعدله ورعايته لمصالح رعيته واعتناؤه بما يقيم شئون دينهم ودنياهم . انبنى على هذا الأساس وهذا التناغم الفريد بين الحاكم والمحكوم أعظم حضارة عرفها التاريخ .  

ظهرت أيضا نماذج تاريخية أخرى من أنظمة الحكم  تتعارض و مفهوم السلطة الحقيقية للحاكم ، فرأينا كيف كان السلطان أو الخليفة مجرد رمز للشعب وممارسة الحكم الفعلي في يد آخرين كالأقارب مثلا أو الوزراء ، أو أصحاب النفوذ والقوى ، أو في يد القوة العسكرية ، أو في يد محتل أجنبي .

بعد هذا التنوع التاريخي في أنظمة الحكم ومع سطوع شمس العصر الحديث وتخلي المسلمين عن حضارتهم الدينية والعلمية والسياسية والأخلاقية وعزهم التليد ، استمر تخبط الشعوب في  اختيارأنظمة الحكم ، فمنهم من فضل الملكية وآخرون أرادوها اشتراكية وآخرون جمهورية ، وشعوب اختارت الديموقراطية . ولم يعد أمامنا تقريبا إلا اتجاهين رئيسيين في الحكم .

اتجاه شمولي ديكتاتوري يعتمد على الولاء المطلق من طائفة ما للحاكم ، تستأثر هذه الطائفة بكل أنواع القوة والنفوذ في البلد ، ولا تعيش إلا على مبدأ التخوين والاعتقال الدائم لكل المعارضين وإيذائهم ، والعمل على بث الرهبة والخوف في كل صفوف الشعب . والعجيب أن كثيرًا من تلك الشعوب أحبت حاكمها على الرغم مما فعله بهم ، فعشق الروسيين للينين والمصريين لجمال عبدالناصر والكوبيين لكاسترو لا يخفى على أحد . مما يعيب هذا الاتجاه - مع كونهم قد  ينعمون بالاستقرار - انتشار التخلف والجهل وضعف الاقتصاد ، وهبوط معدلات النمو والتطور  .

اتجاه ديموقراطي حر يقوم على تدوال السلطة ، ويعتمد على أن الشعب هو مصدر السلطات ، والحاكم ما هو إلا وسيلة لتسيير أمور البلاد بما يتوافق مع ما تشرعه وترغب فيه المؤسسات التشريعية في هذه البلد أو تلك . وهو الاتجاه الذي يروَج له كثيرا في كل الأوساط الإعلامية في البلاد الإسلامية . 

في نظام الحكم الديموقراطي لا يستأثر الحاكم بالحكم وحده ، ولا الشعب وحده هو الذي يحكم ، ولا المؤسسات التشريعية كمجلس الشعب أو الشورى أو مجلس الشيوخ أو البرلمانات بتنوعها هي التي تحكم وحدها ، ولا القوات المسلحة هي التي تحكم وحدها . بل هو حكم مشترك بين كل هؤلاء ويتفاوت نصيب كل منهم في الحكم باختلاف أحوال البلاد وظروفها التاريخية . وهنا سؤال يطرح نفسه : من الذي يحكم إذن ؟! وهل يعقل أن تستقر أحوال البلاد إذا قادها كل هؤلاء على اختلاف أهوائهم وتوجهاتهم ؟ إن بلدًا مثل أمريكا أتاح هذا الصراع الخفي على السلطة بين هذه الأطراف السبل لكثير من المفسدين والمنحرفين كاللوبي الصهيوني إلى التغلغل في كل مؤسسات هذه البلد بل والتحكم فيها ، ومن ثم التحكم في كثير من مقدرات العالم . أدت هذه الفوضى المنظمة في الحكم إن صح التعبير إلى سياسة خارجية متخبطة وإلى إهدار أموال البلاد فيما لا طائل منه ولا هدف . حقا قد تستطيع تلك الشعوب إسقاط حكومة لا ترتضي أداءها أو سياستها ، ولكن بعد أن تكون قد مارست ما يحلو لها من السياسات الخاطئة . 

ماذا إذن لو حكم المسلمون بما يأمرهم به إسلامهم ! اختيار صحيح للحاكم مبني على الشروط التي دونت في كتب السياسة الشرعية ، ثم إعطاؤه السلطات والقوة التنفيذية المحكومة بالشرع ، ثم معاونته على رفعة شأن الأمة وازدهارها . إنها لحظة عزيزة أتمنى لو قدر لي أن أعيشها ولو ليوم . حاكم مسلم يدين له المسلمون بالولاء والطاعة في غير معصية ، حاكم يحرص على شئون الرعية ويجعلها نصب عينيه ، حاكم يبذل قصارى جهده في رفعة شأن بلده وقومه . ولا ضير لو جار بعض الجور أو قصر بعض التقصير ، فهو في النهاية بشر يصيب ويخطئ ، مادام يظهر الحرص والعناية ، ويوكل إلى من يستحق الخدمة والرعاية . ورعية تحفظ إمامها وتقومه و تسد على المخربين والمفرقين طرق التشتت والافتراق وتتقي الله عز وجل فيه . إننا لو استرشدنا واهتدينا بديننا القويم فلن تكون هذه الأمنيات الغالية عنا ببعيد ، والله الهادي إلى سواء السبيل .

السبت، مارس 26، 2011

حِكَايَة دُستور





















 يقال عن الدستور أن فيه مجموعة من القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، ومدى سلطتها إزاء الأفراد ، وهو الإطار الذي يجب أن تلتزم به كافة القوانين . وقد كانت بداية هذا الدستور حين لجأت بلاد أوروبا في عصور الثورة الصناعية ثم النهضة إلى ترسيم هذه الوثيقة ومحاولة إلزام الحاكم والمحكومين بها ؛ وأسباب ذلك لا تخفى على أحد ، فقد عاشت أوروبا قبل تلك الحقبة عصورًا مظلمة ، لم يُنْجيها منها إلا حضارة المسلمين وازدهارُهم .


شرع الأوربيون في بناء حضارتهم ومجدهم والسعي الحثيث نحو العلم والتعلم ، لكن السلطة الدينية حالت دون هذا الطريق ، بل وصل الأمر إلى حد التهديد بالقتل والقتلِ ذاتِه إذا ما اشتهر عالمٌ في مكان ما ، أو نشر اختراعًا من اختراعاته ، و ما واقعة إعدام جاليليو بخافية على أحد . ثارت ثائرة شعوبهم على تلك السلطة وهذا القمع ، ونحُّوا دينهم جانبا ليواصلوا مسيرة التقدم وظهرما يسمى بالعلمانية . خلت الساحة إذن من مرجعياتٍ لها الاحترام والقدسية التي تلزم الحاكم والمحكومين الالتزام بها وتنفيذها ، فاضطروا إلى تدشين الوثائق وإنشاء القوانين التي تنظم علاقتهم و وتعطي كل ذي حق حقه .


تخلف المسلمون وتقدم الأوروبيون ، واحتلوا مساحات شاسعة من العالم الإسلامي ، بثوا فيها سمومهم وأفكارهم ، ونجحوا إلى حد كبير في إبعاد المسلمين عن دينهم ، ثم رحلوا بعد أن اطمأنوا على أن منابرهم الفكرية لن تهدأ ، فقد زرعوا في المسلمين من يتبنّى صوتهم ويدافع عنه حتى الثُّمالة . تحاكموا إلى غير الشريعة فتحاكمنا إلى غيرها .. نشروا رذائلهم تحت دعوى الحرية والعدالة والمساواة فنشرناها .. كتبوا الدستور فكتبناه .


عجيب أمر المسلمين ! لماذا يلجأون إلى هذا الدستور وبين أيديهم القرآن والسنة اللذان حكما المسلمين قرونًا من الزمان ، وعاشوا تحت ظلهما أزهى عصورهم في العلم والحضارة والعدل والرخاء والعز والتمكين . عجيب أمرنا لماذا نتحاكم إلى دساتير من صنع البشر ولدينا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . إن للكتاب والسنة إجلالٌ وتقديسٌ وتعظيمٌ واحترامٌ لم يصل إلى عشر معشاره كل الدساتير الوضعية . ومن نظر إلى  موروثاتنا الشرعية والفقهية التي سطرها علماء الفقه والأصول والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية وجد زادًا لا ينضب ومعينًا لا ينفد من التشريعات والقوانين التي تحكم الراعي والرعية ، وفيها أبواب من المرونة والتيسير الذي يصلح لكل زمان ومكان .


وقد يزداد عجبك حين تعرف أن دستورًا كدستور مصر مثلا تغيّر وعُدل فيه وحذف منه وألغي تمامًا إحدى عشرة مرة  منذ عام 1882 م وحتى عام 1971 م . وفي حقيقة الأمر لم يكن هذا الدستور محل تقديس أو تعظيم من قبل الحاكم أو المحكومين . ففي دستور مصر الأخير مادة تقول : الإسلام دين الدولة ، واللغة العربية لغتها الرسمية ، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ، وكلنا يعلم أن كثيرًا من أحكام الشريعة الإسلامية معطلة ، كما أن بعض أبناء هذا البلد المسلم ينفر من أحكام شرعية كالحدود والقصاص ، ويرى أن الملاهي والمراقص لا شيء فيها ولا ضير .  


من المواد التي وُضعت ولم تكن أيضا محل احترام أو تطبيق المواد الخاصة بالحرية الشخصية وحرمة التعدي على النفس ، وتجريم التفتيش الذاتي أو تفتيش بيت المواطن إلا بإذن من النيابة . ومنها أيضًا المادة التي تنص على وجوب احترام الحقوق العامة وحقوق العمال وأن لهم نصيب في إدارة المشروعات وفي أرباحها كما نصت المادة السادسة والعشرون . ومنها استقلال السلطة القضائية استقلالا تامًا وعدم خضوعها لأية ضغوطات أو ممارسات حتى لو كانت من قبل رئيس الجمهورية .  


من مواد هذا الدستور أن السيادة للشعب وحده وهو مصدر السلطات كما في المادة الثالثة ، وفي ذلك مصادمة لأحكام الشريعة الغراء التي قررت أن مصدر السلطات التي يتحاكم إليها الناس لابد وأن تكون الشريعة الإسلامية . وفيه  من رواسب الحقبة الاشتراكية وضع حد أقصى للملكية الزراعية ، وذلك يتنافى والحرية الشخصية ويتعارض مع الملكية الخاصة . ومن التناقضات العجيبة في تلك الوثيقة اجتماع إعلان حالة الطوارئ في البلاد والتي تبيح للسلطات التعدي على حرية المواطن الشخصية والفكرية والخاصة لمجرد الاشتباه أو الشك ، مع تجريم التعدي عليه بأي شكل من الأشكال إلا بإذن من النيابة وبعد اتهام حقيقي مبني على التحقيق والتأكد . ومن التناقضات أيضًا أن هذا الدستور إنما يقوم على وضعه نخبة من العلماء والمفكرين والقانونيين والقضاة رعاية لمصالح البلاد والعباد وحرصًا على الأمن والاستقرار ، وهذه المصالح قد تخفى على كثير من عوام الشعب وأفراده ، فكيف يُستفتَوْن عليها إذن ؟!     




واليوم ها نحن نغير فيه مرة أخرى ونعدل ، ونحذف وندون موادًا جديدةً ، ثم نلغيه . وغدًا نضع دستورًا جديدًا ، ثم نغير ونعدل ، ونحذف وندون ، ثم نلغيه ، وهكذا .. حتى ينادي منادٍ بأعلى صوته أن كفى يا قوم .. أين عقولكم ؟! أين دينكم ؟! إلى متى هذه الغفلة ؟! إلى متى هذا الإعراض ؟! فيلقى آذانًا صاغية وقلوبًا واعية ، ونعود إلى أمجادنا التي تركناها ، ونسود من جدبد .




السبت، مارس 05، 2011

قِطـَارُ الأَحْـدَاث

















تتوالى الأحداث سراعًا في بلدنا الحبيب ، وأقدار كونية تتسابق ولا ندري ما وراءها . بالأمس القريب كنا في ظل حاكم استمر في سدة الحكم ثلاثين عامًا ، عشنا خلالها كثيرا من الأحداث المحزنة والمفرحة ، وكنا - كلنا - جزءًا من هذا النظام شئنا أم أبينا . لا يستطيع أحد منا مثلا - إلا من رحم الله وقليل ما هم - أن ينكر أنه قد شارك في فساد إداري أو مالي ، أو كان عونًا في نشر الرهبة والخوف من التدين و الالتزام ، أو حتى تثبيط من ينادون بالقيم والأخلاق وإيهامهم بأن فساد الخُـلـُق والتطاول على الآخرين هو السبيل الوحيد لأخذ الحقوق في هذه البلد .

قام الناس على الحاكم ونظامه قومة زلزلت أركانه وقضت بنيانه ، وتساقطت رموزه الواحد تلو الآخر . وحدثت خسائر في الأرواح والممتلكات . وانتهى الأمر بفرض كلمة الجماهير على صفحة جديدة من صفحات تاريخ هذا البلد ، وساعد على ذلك وما زال جيش مصر ورجاله الأوفياء .

نعم قد نرى ونعيش في المستقبل القريب انتعاشًا اقتصاديًا ، ورخاءً ماديًا . قد يتزايد الشعور بالأمان لدى المواطن وبحرية الرأي والتعبير ، نعم قد تستطيع ممارسة مزيد من النشاط السياسي والديني . سوف يكون بإمكانك محاسبة الشرطي والمسئول بل الوزير والرئيس . سوف تكون حرًا في نشر فكرك على الملأ ودون تحفظات أو إملاءات . ستختفي العشوائيات والقرى البائسة والأسر الفقيرة المعدمة من خريطة هذه البلد ، ستمتلئ ساحات العلم والبحث بالعلماء والمشاريع والاختراعات ، سوف تصبح مصر دولة ديموقراطية من دول العالم الأول ، وسيتهافت عليها طلاب العلم والمال من كل الأنحاء للارتقاء بمستواهم العلمي والمادي .
 
لكن دونك أخي الكريم هذه الوقفات .. 

الوقفة الأولى : ماذا لو تحولت مصر لدولة ديموقراطية حقًا وصدقًا ؟! إن الديموقراطية والتي تعني حكم الشعب بالشعب ، ذات ميزان متغير يعتمد في أساسه على مدى خلق وتدين هذا الشعب أو ذاك . فاحتمال زيادة التيار الإسلامي بكل فرقه وطوائفه وارد ، واحتمال العكس تمامًا وارد أيضًا ، فالحرية التي تكفلها تلك الديموقراطية قد تفتح الباب على مصراعيه لكل مفسد وصاحب فكر منحرف . إن للديموقراطية عورات وسوءات عانى منها ويعاني كل من يطبقها في عالمنا المعاصر ، و لست بكاتم سرًا على أحد عندما أذكر له كمَّ الفساد والانحراف الأخلاقي في منابر الديموقراطية في العالم . 


إنها مثلا تساوي في صندوق الانتخاب بين صوت شيخ الأزهر وصوت راقصة ماجنة داعرة ، ودونك النتائج التي لا تخفى أحد .إنها تكفل الحرية لكل من يريد إبداء رأيه ولو كان مخالفًا لكل الثوابت والمعتقدات ، بل تعطيه حق النشر وتكوين الأحزاب التي تكون منبرًا لهذا الرأي ويكون جزءًا من البرلمان الذي يتحاكم إليه الشعب . إنها أيضا تعني حرية الإعلام المطلقة التي تسمح بازدراء الأخلاق والأديان ، وبدلا من أن كنا نواجه  بعض مخرجي الأفلام و الممثلين الذين دعوا إلى الرذائل والانحلال ، أو بعض المفكرين العلمانيين ، أو حتى بعض المتشددين المتنطعين ، فإننا سنواجه بعد ذلك وفي ظل الديموقراطية المئات بل الألوف منهم . 

إنها كما تحمي المصلحين ، فإنها تحمي أيضا المفسدين ، فمن حق من يدين بالديموقراطية ممارسة مايريد مع من يريد وفي أي مكان يريد . في ظل الديموقراطية سيتوجب عليك أن تقف عند حد معين في تأديبك لأبنائك وزوجتك ، ولا تتجاوزه وإلا سيكون السجن في انتظارك . ولا تعتقد أن هذا الحد يعني الضرب أو الإهانة ، فمنعك مثلا من سفر ابنك أو زوجتك أو مصاحبة من يشاءون وقت ما يشاءون ليس من حقك ، وقس على ذلك .
     
الوقفة الثانية : دعوة للتأمل والتفكر في ديننا العظيم ، فما أحوجنا إلى التمسك به وبتعاليمه ، التي هي خير على العالم أجمع مسلمه وكافره . إن هذه الشريعة الإلهية تحمل بين طياتها كل مميزات النظم الوضعية وتزيد عليها ، ففي الإسلام تُحفظ الحقوق والأموال ، وفيه حرية البيع والشراء والكسب مادام حلالا ، وفيه العدل مع الشريف قبل الضعيف ، وفيه الحرية الموزونة بميزان ٍ لا يُضر فيه أحد ولا يُساء إليه ، وفيه محاسبة الحاكم والمحكوم ، وفيه الرخاء الاقتصادي والعدالة الجتماعية ، وفيه القيم والأخلاق والمبادئ ، وفيه حماية االنفس والعرض والمال ، وفيه .. وفيه .. وفيه .. 
 
ما أحوجنا إلى الرجوع إلى ديننا والتمسك به وبتعاليمه ، ولا يصح أن تسبقنا إلى ذلك الأمم الأخرى ، التي تكتشف من حين لآخر عظمة تشريعاتنا الإسلامية ، بل إن كثيرا منهم يحاول تطبيقها على بني وطنه لما فيها من الفوائد النافعة والمصالح الباهرة .

الوقفة الأخيرة : دعوة لطلب العلم المبني على الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمة ، والنهل من الثقافة والعلوم المختلفة ، فسلاحنا الوحيد في خضم تلك الأحداث هو العلم الشرعي الصحيح والثقافة العلمية الشاملة ، والاجتهاد في نشرهما ، ففي قطار الأحداث الذي يمشي مسرعًا لا يدري أحدنا إلى أي اتجاه سوف يأخذنا ، ولا إلى أين سينتهي به المطاف ، وليس لنا إلا الله .

 

السبت، فبراير 05، 2011

مُعَادَلَة التَّغيِيِـر

















إن تغير الأحوال سنة كونية ماضية ، قد تكون تارة إلى الرفعة والسمو وتارة أخرى إلى الخذلان والضنك . وتأبى النفس الإنسانية بطبيعتها الذل و تكره السأم  وتسعى دومًا إلى التحول للأفضل ، وإن نفسًا لا تتصف بتلك المعالي لا تستحق الحياة . ولكن قبل أن يستقيم أي تغيير ويؤتي ثماره لا بد من إعداد روحي ونفسي ثم إعداد واقعي عملي . 

قد نجني بعض النتائج الحسنة من ثورة انفعالية أو حماسة وقتية ، لكن بإمعان النظر وبالتدقيق في العواقب تختلف الرؤى وتتبدل النتائج بعد حين . فقد شارك بعض أفاضل الصحابة - على حين رفض الكثير منهم - في الخروج على نفر من حكام المسلمين لما يرونه فيهم من مخالفة لأمر الله وشرعه ، وحدث نزاع وقتال كما ذكرت كتب التاريخ والسير ، وأريقت الدماء الزكية ووقعت الفتن ولم يتغير شيء .. نعم لا تعجب لم يتغير شيء ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول تلك الأحداث وأمثالها : "وقلَّ من خرجَ على إمامٍ ذي سلطانٍ إلا كانَ ما تولدَ على فعلِهِ من الشرِّ أعظمَ مما تولدَ من الخيرِ"، حتى قال : "وأما أهلُ الحرةِ وابنُ الأشعثِ وابنُ المهلبِ وغيرُهم فهزموا وهُزمَ أصحابُهم، فلا أقامَوا دينًا ولا أبقَوا دنيَا، والله تعالى لاَ يأمرُ بأمرٍ لا يحصلُ بِهِ صلاحُ الدينِ ولا صلاحُ الدنيا".  

 إن معادلة التغيير قد أجلاها الله بأفصح بيان حين قال جل في علاه  : " إنَّ الله لا يغيَّر مَا بقومٍ حتَّى يغيِّروا مَا بأنفُسِهم " ، وكل تغيير عداه ولو حدث فهو تغيير صوري ما لم يواكبه تغيير في النفس .. كلنا يريد تغيير القادة الظلمة وأصحاب المناصب المفسدين ، لكن أتتوقعون بمجرد الصياح أن يذهب صاحب منصب ما ويأتي بدلا منه أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين الأمة ؟؟ أم معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام مثلا ؟؟ الإجابة بالطبع : لا ، سوف يأتي واحد منا متدين بديننا ومتخلق بأخلاقنا ؟؟ ثم انظروا إلى قدر أخلاقنا وديننا وستعلمون حينئذ حقيقة التغيير ؟؟

وبنظرة خاطفة على تاريخنا الحديث وثوراته المتعددة ، تكاد لا تجد ثورة حدثت في أية بقعة إسلامية إلا وخلفت وراءها واقعًا أشد سوءًا وأضعف قوة و جاهًا . لكن عندما ثار كثير من الناس على الخرافات والشعوذة باسم الدين أصبحت لا تسمع لها صوتًا ، عندما ثاروا على كثير من الموروثات الفاسدة والتقاليد الخاطئة البالية اندثرت ولم تجد لها أثرًا . عندما ثاروا على الجهل بعلوم العصر والتقنيات الحديثة أصبحت ترى لنا علماء في أدق و أصعب المجالات العلمية . عندما ثاروا على ضعف قوتنا العسكرية مقارنة بالغرب وجدت في بلاد الإسلام عامة كل أنواع الأسلحة حتى النووية منها . ولا يلزم أن تكون الثورة زعيقًا وصياحًا وهياجًا ، إنما الثورة الحقيقية تكمن في الإرادة والتصميم ثم حسن التنفيذ والتطبيق ولو تكلف هذا التغيير بعض الأذى والتضييق .. وبذلك تتبدل الأحوال وتنصلح .

ومن العجب بمكان ألا نرى ثورات عارمة ولا انتفاضات شعبية كاسحة جراء ما يحدث للمسلمين في أنحاء العالم من قتل وتعذيب بل وإبادات جماعية ؟! لماذا لم نر ثورات عندما عُطلت كثير من أحكام الشريعة الإسلامية في كل أقطار الإسلام تقريبًا ؟! لماذا لم نر ثورات عندما انتشرت الخلاعة والمجون في بلاد الإسلام وعلى أيدي أبنائها ؟! 
 
إنها ليست دعوة للتظاهر مرة أخرى وليست أيضًا دعوة للإحباط ، ولا محاولة لإعاقة الهمم عن إرادة التغيير ، وإنما هي محاولة لصبها في مسار تجني به - بإذن الله وتوفيقه - ثمار تلك الإرادة الطيبة ، وتنأى بها عن أن تتخطفها معاول الظلام أو تهوي بها رياح التهور في مكان سحيق .
 
 

الجمعة، يناير 07، 2011

الحَاجَة إِلىَ الشَّريعَةِ

















  
خلق الله – عز وجل – الخلق لعبادته ، واصطفى من البشر رسلا لبيان مراده وغايته . وقبل أن يتفضل على عباده ببيان مطلوبه منهم ، ذلل لهم السبل التي تعينهم على تأديته . وكان هذا التذليل على وجهين ، الأول : جعل المخلوقات كالشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها في خدمته . الثاني : إنزال شرعة حكيمة موافقة لمصالحه في العاجل والآجل معًا .

وتتابعت الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – ببشارة من أطاع الله ووحده وطبق شرعته ، ونذارة من رغب عن ذلك وخالفه . حتى جاء خاتم الأنبياء والرسل محمد – صلى الله عليه وسلم – بأفضل وأكمل شرعة ، قال الله في كتابه الحكيم : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " [ المائدة 3 ] .

والإنسان محتاج بطبعه إلى نظام يقيم شئون معاشه ومعاده ، فلو وكل أمر إقامته إليه لفسدت الأرض ومن فيها ، يقول الله تعالى : " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير " [الشورى27]، ويقول تعالى : " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورًا " [ الإسراء 100 ] ، ويقول تعالى عن ظلم الإنسان وجهله : " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا " [ الأحزاب 72 ] .

إن الجهل بمقاصد شريعتنا وخصائصها نأى بنفر غير قليل إلى مسالك الضلال والتشدد ، فألزموا أنفسهم وغيرهم ما لم يلزمهم به الشرع ، بل توعدوا وهددوا كل من خالفهم ، فكانت الفتنة والله المستعان .

وقوم آخرون اتخذوا التيسير مطية للانسلاخ عن الشرع وفعل المحظور ، فشاركوا من قبلهم في الضلال ، والحق بينهما بلا إفراط ولا تفريط . يقول ابن القيم – رحمه الله – في كتابه إعلام الموقعين ( 3 / 3 ) : " وقع بسبب الجهل به – أي بناء الشريعة على مصالح العباد – غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ... " .