إضَاءَاتٌ علَى طَرِيقِ الحَيَاةِ

TimeQuran

السبت، يونيو 25، 2011

حَدِيثُ الفَزّاعَات



















 ربما تتعدد وسائل الدعاية لمنهج ما ، أو تختلف طرائق الهيمنة على مجموعة ما من البشر ، أو ربما تسيطر على أحدهم وسائل الإرهاب الفكري لنشر معتقداته ومبادئه ، لكن تبقى وسيلة " الفزَاعة " أقلها نبلا وأضعفها حُجة . الفزَاعة كما ذكر أهل اللغة لها معنيان : إما بمعنى الكثير الفزع أو الذي يُفزع ، والمعنيان ينسحبان على فزاعات الآونة الأخيرة وينطبقان عليها .

 لجأ بعض ولاة الأمور في كثير من بلادنا إلى استخدام فزاعة الإسلاميين في وسائل إعلامهم المرئية والمسموعة وعلى صفحات جرائدهم ، عن طريق إضعاف شوكة هؤلاء الإسلاميين ، أو تشويه صورتهم بذكر أخبار تنفّر الناس منهم وتثير كراهيتهم ، أو بإظهار جمودهم وجهلهم وتخلفهم ورجعيتهم ، أو بإلصاق التهم بهم ، إلى غير ذلك من الوسائل . اعتقادًا منهم أن ذلك يثبت أركان حكمهم ويوطد دعائم دولتهم ، كما أنه يضمن رعاية القوى الكبرى ودعمها إياهم . 

فزَاعة لطالما أتت على كثير من الأخضر واليابس لدى هذه الأمم ، فكم أنفق هؤلاء الحكام أموالا على تلكم الوسائل ، وبذلوا الكثير من جهدهم وأوقاتهم فيها ، وبدلا من أن تقل أعداد الإسلاميين نراهم يتزايدون ويتزايدون ، ولكنها زيادة عليها غبش وفيها عطن و ملؤها الغثائية والغبن . ذلك أن الممنوع مرغوب فمتى حذرت ومنعت وسفَهت أحدًا لا بد وأن يتساءل الناس عنه ويبحثوا عن حقيقته ، وفي ساحة الفراغ العقلي والخواء العقدي والغياب العلمي ، نمت كثير من الأفكار المنحرفة عن الإسلام باسم الإسلام ، وتزايد أتباعها وتفرقت مذاهبها ، وكل حزب بما لديهم فرحون .

كان ينبغي على ولاة الأمر العناية بتعليم المسلمين صحيح الدين ونشر السنة بين الناس ، وتعليم الصغار قبل الكبار أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ومذهب الصحابة الكرام والقرون المفضلة ، فبها يتميز الحق عن الباطل وبها ينأى الشباب عن الوقوع بأنفسهم في براثن البدع العقدية والعملية ، ويتحررون من قيود الحزبيات المقيتة ، والتبعية المذمومة والتقليد الأعمى لبشر مثلهم يخطئون أكثر مما يصيبون ويفسدون أكثر مما يصلحون . عناية تنقذهم من العصبية للأشخاص والولاء والبراء تجاه أفكارهم والموالاة والمعاداة عليها . فزَاعة لم تأت بخير أبدًا لا للحاكم ولا للمحكومين ، اللهم إلا خفوت أصوات الأحزاب المسلحة وضعف شوكتها واستئصال شأفتها .

واليوم وبعدما ذاق الإسلاميون مرارة الفزّاعة الأولى واكتووا بنارها ، وبعد أن كانوا يرون أنها بخست حقوقهم ولم تنصفهم أمام الناس ، وأنها وسيلة من لا وسيلة له ، ها هم اليوم  يستخدمونها ضد ما يُسمى بالعلمانيين . فهم يشوهون صورتهم ويسيئون إلى أشخاصهم ويذكرونهم بالسوء وقبائح الأمور وأرذلها مما قد يكون فيهم أو قد لا يكون . وفي حقيقة الأمر تختلف العلمانية من بلد لآخر وتتفاوت صورها ودرجة قوتها وانحرافها ، فما بين الإلحاد إلى إبعاد الدين عن السياسة مع الرضا بالدين ، ثمة درجات وطبقات لا ينبغي إغفالها عند معالجة ما يسمى بالعلمانية . وغالب الظن أن هؤلاء الذين يسمون بالعلمانيين ويعيشون بين ظهرانينا هم أقلهم درجة وأدناهم مرتبة إذا ما نظرنا إليهم بالمقارنة بما هو كائن في أرجاء العالم .

إن هذا العلماني الذي يعيش بيننا وإن اتفقنا على قبح مذهبه وانحراف فكره ، إلا أن طريقة تلك الأحزاب التي تسمى بالإسلامية في مواجهتم لا تزيد هؤلاء إلا قوة وبأسًا ، ذلك أن انحرافات كثير منهم  وخاصة من تشرَب فلسفات الغرب وعقائده واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار للقاصي قبل الداني وللجاهل قبل المتعلم ، ولغير المتدين قبل المتدين . ماذا تنتظر من أي مسلم عندما يسمع أن أحدهم يكره سنن الإسلام الظاهرة ، أو أن أحدهم يسفَه رموز الإسلام العالية ، أو يبغض مظاهر الإسلام في الحياة العامة ، أو يفصل الدين عن الحياة كلها ، أو يتكلم في حق الله جل في علاه بما لا يليق ! 

وهم مع ذلك يستغلون تهافت هؤلاء الإسلاميين على الرد عليهم في صنع أبطالهم وتلميع مفكريهم . وما كان لهم أن يشتهروا ولا أن يعرفوا من الأساس لو لا تسليط الضوء عليهم والسعي في كل الأماكن وخلال كل المنتديات إلى فضحهم وبيان عوراهم . ومما نأسف له أن كثيرًا من الأحزاب المسماة بالإسلامية لم تجد طريقًا أقصر ولا وسيلة أسرع إلى جمع الناس حولهم إلا استغلال عاطفتهم تجاه الدين ، وغيرتهم من أن يمس بسوء . وعند هذه النقطة تلاقت رغبتا العلمانيين والإسلامين ، والناس فيما بينهم كفريسة تتصارعها فكوك السباع .

كثير من علمانيي منطقتنا تتصارع في عقولهم تقاليد ومعتقدات أوطانهم و تقاليد ومعتقدات الغرب ، وكم منا يستطيع من خلال هذا الصراع أن يعود بهم إلى صحيح معتقدهم ، ومن أبى فقد قال الله تعالى في حق من هم أقبح منهم : " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء " . ولو أردت أن تبحث في أصول ضلال هذا العلماني ، أو في أسباب غيَه وفساد فكره ، لن تجد أمامك إلا أصلين رئيسين : الأصل الأول : تشرَبه لفلسفات الغرب ومعتقداتهم المخالفة للإسلام ، وقد ذكرنا من قبل صورًا لذلك . والأصل الثاني : تشربه لفكر أحد المفكرين العقلانيين الذين يسمون بالإسلامين ، والاستدلال بأقواله وكتبه على انحرافه وضلاله . والأصل الثاني أشد خطرًا وأكثر عددًا ، فكم منهم إذا قيل له : الإسلام يحرم كذا أو يمنع كذا ، قال لك : لكن المفكر الإسلامي فلان أباحه وأحله ، إذا قيل له : السنة وأحاديث النبي الكريم تقول كذا وكذا يقول لك : لكن المفكر الإسلامي فلان يقول بأن أحاديث الآحاد لا تقبل وتكفينا المتواترة ، وما علم هو ولا مفكره ذاك أن الأحاديث المتواترة لا تزيد عن المئة إلا قليلا ، وأن جل الأحاديث النبوية  آحاد ، وعليها قامت أكثر شعائر الدين . إذا قيل له يجب على المرأة كذا وكذا من الأحكام الشرعية ، قال لك : لكن المفكر الإسلامي فلان أباح لها ذلك وأقره ، وقد لا يستدل بهذا المفكر لتعظيمه واحترامه له وإنما للانتصار لقوله وحسب ، وقس على ذلك .

رحم الله سلفنا الصالح حيث أكدوا  وبينوا أن البدع وأهلها أشد خطرا على الإسلام وأهله من العدو الخارجي ، ذلك أنهم يهدمون من حيث لا يعلمون ، وضررهم على الناس خافٍ ، ومساوؤهم في تفريق الكلمة وذهاب ريح المسلمين ظاهرة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : قال أبو الفضل الهمداني رحمه الله تعالى : مبتدعة الإسلام و الكذابون و الواضعون للحديث أشد من الملحدين ، قصدوا إفساد الدين من خارج ، و هؤلاء قصدوا إفساده من داخل ، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله ، و الملحدون كالمحاصرين من خارج ،  فالدخلاء يفتحون الحصن ، فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له . [ الصارم المسلول ٢ /  ٣٢٩ ]

وعليه فللقضاء على طائفة لا بأس بها من العلمانيين لا بد من تنقية وتصفية ما ينشر ويكتب ويؤلف ويلقى على مسامع الناس باسم الإسلام ، والتوجيه وبذل النصح في هذا الباب ، والأخذ على أيدي القائمين على ذلك بالنصح تارة وبالتحذير تارة إذا ذاع ضلاله وغدا كلامه حديث الناس في مجامعهم ودينًا يدينون الله به ويلقونه عليه . وأما الطائفة المتلبسة بالأصل الأول وحسب   فبيان تلبيسهم وضلالهم واجب بلا شك وإن كان لا يُحتاج معه إلى كثير بيان ، ولا لعظيم جهد .

وإن يكن بعد هذا الطرح من فزَاعة تستحق الخوف والفزع حقًا وصدقًا ، فإنما هي الوقوف بين يدي الله عز وجل " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " ، " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " .    

الجمعة، مايو 06، 2011

مَن يقُود السَّفينة ؟!

















إن العلاقة بين الحاكم والمحكوم دائما ما كانت مثار جدل عبر التاريخ الإنساني كله ، فكم من حاكم قاد رعيته بالحديد والنار ، وكم من شعب ثار على حاكمه واستأصل شأفته وقتله شر قتلة . وبين هذا وذاك يظهر حاكم عادل يسود رعيته بالحب والعدل ويدين له رعيته في المقابل بالطاعة والحب والولاء ،بيد أن هذا النوع من القلة بمكان حيث يعدون على أصابع اليد في تاريخ بلد أو أمة ما .

لم تفلح كثير من الأمم في تنظيم شئونها وتعديل مسار تاريخها السياسي فعاشوا حياة الفوضى والهمجية وساد في بلادهم قانون الغاب ، فكثير من شعوب أوروبا إبان عصورهم المظلمة كانوا على هذا الدرب الوحشي . على حين اختارت الشعوب التواقة للتحضر والتقدم أن تحكمها مؤسسات تتمثل في الحاكم وما يعينه على تسيير شئون البلاد والعباد ، وتأكد لها أنه لامناص عن هذا الحل إن أرادت الرفعة والسمو لبلادها . وما إن وصلت البشرية إلى هذا اليقين حتى سعت في تكوين العديد من التصورات للحاكم الذي يدير البلاد .
 
فحضارات قديمة كالفراعنة والبابليين والصينيين وغيرهم عمدوا إلى هذا الحل وأنشأوا أول حكومات تدير البلاد في التاريخ . وطفت على سطح الأحداث في تلك الأزمان مسألة ضمان الطاعة والولاء والالتزام الأخلاقي تجاه الحاكم حتى تستقر أمور البلاد ، فكان لجوؤهم إلى فكرة تأليه الحاكم ضرورية حتى يطمأنوا إلى استمرار ولاء الرعية لحاكمهم ، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير .

فما بين التأليه والفوضى عاشت الشعوب جزءا لا بأس به من التاريخ الإنساني . لكن الحقيقة التاريخية التي لا يستطيع إنكارها عاقل هو أن الأمم التي نصّبت حاكما لها ولو ادعوا ألوهيته شيّدوا أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ . 

ثم حدث أن شهد التاريخ الإنساني نموذجًا مثاليًا للحاكم بظهور الإسلام ، حاكم يستمد استقراره وقوته و ولاء شعبه من رافدين أساسيين : الالتزام الأخلاقي الشرعي بوجوب طاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية ، وعدله ورعايته لمصالح رعيته واعتناؤه بما يقيم شئون دينهم ودنياهم . انبنى على هذا الأساس وهذا التناغم الفريد بين الحاكم والمحكوم أعظم حضارة عرفها التاريخ .  

ظهرت أيضا نماذج تاريخية أخرى من أنظمة الحكم  تتعارض و مفهوم السلطة الحقيقية للحاكم ، فرأينا كيف كان السلطان أو الخليفة مجرد رمز للشعب وممارسة الحكم الفعلي في يد آخرين كالأقارب مثلا أو الوزراء ، أو أصحاب النفوذ والقوى ، أو في يد القوة العسكرية ، أو في يد محتل أجنبي .

بعد هذا التنوع التاريخي في أنظمة الحكم ومع سطوع شمس العصر الحديث وتخلي المسلمين عن حضارتهم الدينية والعلمية والسياسية والأخلاقية وعزهم التليد ، استمر تخبط الشعوب في  اختيارأنظمة الحكم ، فمنهم من فضل الملكية وآخرون أرادوها اشتراكية وآخرون جمهورية ، وشعوب اختارت الديموقراطية . ولم يعد أمامنا تقريبا إلا اتجاهين رئيسيين في الحكم .

اتجاه شمولي ديكتاتوري يعتمد على الولاء المطلق من طائفة ما للحاكم ، تستأثر هذه الطائفة بكل أنواع القوة والنفوذ في البلد ، ولا تعيش إلا على مبدأ التخوين والاعتقال الدائم لكل المعارضين وإيذائهم ، والعمل على بث الرهبة والخوف في كل صفوف الشعب . والعجيب أن كثيرًا من تلك الشعوب أحبت حاكمها على الرغم مما فعله بهم ، فعشق الروسيين للينين والمصريين لجمال عبدالناصر والكوبيين لكاسترو لا يخفى على أحد . مما يعيب هذا الاتجاه - مع كونهم قد  ينعمون بالاستقرار - انتشار التخلف والجهل وضعف الاقتصاد ، وهبوط معدلات النمو والتطور  .

اتجاه ديموقراطي حر يقوم على تدوال السلطة ، ويعتمد على أن الشعب هو مصدر السلطات ، والحاكم ما هو إلا وسيلة لتسيير أمور البلاد بما يتوافق مع ما تشرعه وترغب فيه المؤسسات التشريعية في هذه البلد أو تلك . وهو الاتجاه الذي يروَج له كثيرا في كل الأوساط الإعلامية في البلاد الإسلامية . 

في نظام الحكم الديموقراطي لا يستأثر الحاكم بالحكم وحده ، ولا الشعب وحده هو الذي يحكم ، ولا المؤسسات التشريعية كمجلس الشعب أو الشورى أو مجلس الشيوخ أو البرلمانات بتنوعها هي التي تحكم وحدها ، ولا القوات المسلحة هي التي تحكم وحدها . بل هو حكم مشترك بين كل هؤلاء ويتفاوت نصيب كل منهم في الحكم باختلاف أحوال البلاد وظروفها التاريخية . وهنا سؤال يطرح نفسه : من الذي يحكم إذن ؟! وهل يعقل أن تستقر أحوال البلاد إذا قادها كل هؤلاء على اختلاف أهوائهم وتوجهاتهم ؟ إن بلدًا مثل أمريكا أتاح هذا الصراع الخفي على السلطة بين هذه الأطراف السبل لكثير من المفسدين والمنحرفين كاللوبي الصهيوني إلى التغلغل في كل مؤسسات هذه البلد بل والتحكم فيها ، ومن ثم التحكم في كثير من مقدرات العالم . أدت هذه الفوضى المنظمة في الحكم إن صح التعبير إلى سياسة خارجية متخبطة وإلى إهدار أموال البلاد فيما لا طائل منه ولا هدف . حقا قد تستطيع تلك الشعوب إسقاط حكومة لا ترتضي أداءها أو سياستها ، ولكن بعد أن تكون قد مارست ما يحلو لها من السياسات الخاطئة . 

ماذا إذن لو حكم المسلمون بما يأمرهم به إسلامهم ! اختيار صحيح للحاكم مبني على الشروط التي دونت في كتب السياسة الشرعية ، ثم إعطاؤه السلطات والقوة التنفيذية المحكومة بالشرع ، ثم معاونته على رفعة شأن الأمة وازدهارها . إنها لحظة عزيزة أتمنى لو قدر لي أن أعيشها ولو ليوم . حاكم مسلم يدين له المسلمون بالولاء والطاعة في غير معصية ، حاكم يحرص على شئون الرعية ويجعلها نصب عينيه ، حاكم يبذل قصارى جهده في رفعة شأن بلده وقومه . ولا ضير لو جار بعض الجور أو قصر بعض التقصير ، فهو في النهاية بشر يصيب ويخطئ ، مادام يظهر الحرص والعناية ، ويوكل إلى من يستحق الخدمة والرعاية . ورعية تحفظ إمامها وتقومه و تسد على المخربين والمفرقين طرق التشتت والافتراق وتتقي الله عز وجل فيه . إننا لو استرشدنا واهتدينا بديننا القويم فلن تكون هذه الأمنيات الغالية عنا ببعيد ، والله الهادي إلى سواء السبيل .

السبت، مارس 26، 2011

حِكَايَة دُستور





















 يقال عن الدستور أن فيه مجموعة من القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، ومدى سلطتها إزاء الأفراد ، وهو الإطار الذي يجب أن تلتزم به كافة القوانين . وقد كانت بداية هذا الدستور حين لجأت بلاد أوروبا في عصور الثورة الصناعية ثم النهضة إلى ترسيم هذه الوثيقة ومحاولة إلزام الحاكم والمحكومين بها ؛ وأسباب ذلك لا تخفى على أحد ، فقد عاشت أوروبا قبل تلك الحقبة عصورًا مظلمة ، لم يُنْجيها منها إلا حضارة المسلمين وازدهارُهم .


شرع الأوربيون في بناء حضارتهم ومجدهم والسعي الحثيث نحو العلم والتعلم ، لكن السلطة الدينية حالت دون هذا الطريق ، بل وصل الأمر إلى حد التهديد بالقتل والقتلِ ذاتِه إذا ما اشتهر عالمٌ في مكان ما ، أو نشر اختراعًا من اختراعاته ، و ما واقعة إعدام جاليليو بخافية على أحد . ثارت ثائرة شعوبهم على تلك السلطة وهذا القمع ، ونحُّوا دينهم جانبا ليواصلوا مسيرة التقدم وظهرما يسمى بالعلمانية . خلت الساحة إذن من مرجعياتٍ لها الاحترام والقدسية التي تلزم الحاكم والمحكومين الالتزام بها وتنفيذها ، فاضطروا إلى تدشين الوثائق وإنشاء القوانين التي تنظم علاقتهم و وتعطي كل ذي حق حقه .


تخلف المسلمون وتقدم الأوروبيون ، واحتلوا مساحات شاسعة من العالم الإسلامي ، بثوا فيها سمومهم وأفكارهم ، ونجحوا إلى حد كبير في إبعاد المسلمين عن دينهم ، ثم رحلوا بعد أن اطمأنوا على أن منابرهم الفكرية لن تهدأ ، فقد زرعوا في المسلمين من يتبنّى صوتهم ويدافع عنه حتى الثُّمالة . تحاكموا إلى غير الشريعة فتحاكمنا إلى غيرها .. نشروا رذائلهم تحت دعوى الحرية والعدالة والمساواة فنشرناها .. كتبوا الدستور فكتبناه .


عجيب أمر المسلمين ! لماذا يلجأون إلى هذا الدستور وبين أيديهم القرآن والسنة اللذان حكما المسلمين قرونًا من الزمان ، وعاشوا تحت ظلهما أزهى عصورهم في العلم والحضارة والعدل والرخاء والعز والتمكين . عجيب أمرنا لماذا نتحاكم إلى دساتير من صنع البشر ولدينا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . إن للكتاب والسنة إجلالٌ وتقديسٌ وتعظيمٌ واحترامٌ لم يصل إلى عشر معشاره كل الدساتير الوضعية . ومن نظر إلى  موروثاتنا الشرعية والفقهية التي سطرها علماء الفقه والأصول والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية وجد زادًا لا ينضب ومعينًا لا ينفد من التشريعات والقوانين التي تحكم الراعي والرعية ، وفيها أبواب من المرونة والتيسير الذي يصلح لكل زمان ومكان .


وقد يزداد عجبك حين تعرف أن دستورًا كدستور مصر مثلا تغيّر وعُدل فيه وحذف منه وألغي تمامًا إحدى عشرة مرة  منذ عام 1882 م وحتى عام 1971 م . وفي حقيقة الأمر لم يكن هذا الدستور محل تقديس أو تعظيم من قبل الحاكم أو المحكومين . ففي دستور مصر الأخير مادة تقول : الإسلام دين الدولة ، واللغة العربية لغتها الرسمية ، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ، وكلنا يعلم أن كثيرًا من أحكام الشريعة الإسلامية معطلة ، كما أن بعض أبناء هذا البلد المسلم ينفر من أحكام شرعية كالحدود والقصاص ، ويرى أن الملاهي والمراقص لا شيء فيها ولا ضير .  


من المواد التي وُضعت ولم تكن أيضا محل احترام أو تطبيق المواد الخاصة بالحرية الشخصية وحرمة التعدي على النفس ، وتجريم التفتيش الذاتي أو تفتيش بيت المواطن إلا بإذن من النيابة . ومنها أيضًا المادة التي تنص على وجوب احترام الحقوق العامة وحقوق العمال وأن لهم نصيب في إدارة المشروعات وفي أرباحها كما نصت المادة السادسة والعشرون . ومنها استقلال السلطة القضائية استقلالا تامًا وعدم خضوعها لأية ضغوطات أو ممارسات حتى لو كانت من قبل رئيس الجمهورية .  


من مواد هذا الدستور أن السيادة للشعب وحده وهو مصدر السلطات كما في المادة الثالثة ، وفي ذلك مصادمة لأحكام الشريعة الغراء التي قررت أن مصدر السلطات التي يتحاكم إليها الناس لابد وأن تكون الشريعة الإسلامية . وفيه  من رواسب الحقبة الاشتراكية وضع حد أقصى للملكية الزراعية ، وذلك يتنافى والحرية الشخصية ويتعارض مع الملكية الخاصة . ومن التناقضات العجيبة في تلك الوثيقة اجتماع إعلان حالة الطوارئ في البلاد والتي تبيح للسلطات التعدي على حرية المواطن الشخصية والفكرية والخاصة لمجرد الاشتباه أو الشك ، مع تجريم التعدي عليه بأي شكل من الأشكال إلا بإذن من النيابة وبعد اتهام حقيقي مبني على التحقيق والتأكد . ومن التناقضات أيضًا أن هذا الدستور إنما يقوم على وضعه نخبة من العلماء والمفكرين والقانونيين والقضاة رعاية لمصالح البلاد والعباد وحرصًا على الأمن والاستقرار ، وهذه المصالح قد تخفى على كثير من عوام الشعب وأفراده ، فكيف يُستفتَوْن عليها إذن ؟!     




واليوم ها نحن نغير فيه مرة أخرى ونعدل ، ونحذف وندون موادًا جديدةً ، ثم نلغيه . وغدًا نضع دستورًا جديدًا ، ثم نغير ونعدل ، ونحذف وندون ، ثم نلغيه ، وهكذا .. حتى ينادي منادٍ بأعلى صوته أن كفى يا قوم .. أين عقولكم ؟! أين دينكم ؟! إلى متى هذه الغفلة ؟! إلى متى هذا الإعراض ؟! فيلقى آذانًا صاغية وقلوبًا واعية ، ونعود إلى أمجادنا التي تركناها ، ونسود من جدبد .




السبت، مارس 05، 2011

قِطـَارُ الأَحْـدَاث

















تتوالى الأحداث سراعًا في بلدنا الحبيب ، وأقدار كونية تتسابق ولا ندري ما وراءها . بالأمس القريب كنا في ظل حاكم استمر في سدة الحكم ثلاثين عامًا ، عشنا خلالها كثيرا من الأحداث المحزنة والمفرحة ، وكنا - كلنا - جزءًا من هذا النظام شئنا أم أبينا . لا يستطيع أحد منا مثلا - إلا من رحم الله وقليل ما هم - أن ينكر أنه قد شارك في فساد إداري أو مالي ، أو كان عونًا في نشر الرهبة والخوف من التدين و الالتزام ، أو حتى تثبيط من ينادون بالقيم والأخلاق وإيهامهم بأن فساد الخُـلـُق والتطاول على الآخرين هو السبيل الوحيد لأخذ الحقوق في هذه البلد .

قام الناس على الحاكم ونظامه قومة زلزلت أركانه وقضت بنيانه ، وتساقطت رموزه الواحد تلو الآخر . وحدثت خسائر في الأرواح والممتلكات . وانتهى الأمر بفرض كلمة الجماهير على صفحة جديدة من صفحات تاريخ هذا البلد ، وساعد على ذلك وما زال جيش مصر ورجاله الأوفياء .

نعم قد نرى ونعيش في المستقبل القريب انتعاشًا اقتصاديًا ، ورخاءً ماديًا . قد يتزايد الشعور بالأمان لدى المواطن وبحرية الرأي والتعبير ، نعم قد تستطيع ممارسة مزيد من النشاط السياسي والديني . سوف يكون بإمكانك محاسبة الشرطي والمسئول بل الوزير والرئيس . سوف تكون حرًا في نشر فكرك على الملأ ودون تحفظات أو إملاءات . ستختفي العشوائيات والقرى البائسة والأسر الفقيرة المعدمة من خريطة هذه البلد ، ستمتلئ ساحات العلم والبحث بالعلماء والمشاريع والاختراعات ، سوف تصبح مصر دولة ديموقراطية من دول العالم الأول ، وسيتهافت عليها طلاب العلم والمال من كل الأنحاء للارتقاء بمستواهم العلمي والمادي .
 
لكن دونك أخي الكريم هذه الوقفات .. 

الوقفة الأولى : ماذا لو تحولت مصر لدولة ديموقراطية حقًا وصدقًا ؟! إن الديموقراطية والتي تعني حكم الشعب بالشعب ، ذات ميزان متغير يعتمد في أساسه على مدى خلق وتدين هذا الشعب أو ذاك . فاحتمال زيادة التيار الإسلامي بكل فرقه وطوائفه وارد ، واحتمال العكس تمامًا وارد أيضًا ، فالحرية التي تكفلها تلك الديموقراطية قد تفتح الباب على مصراعيه لكل مفسد وصاحب فكر منحرف . إن للديموقراطية عورات وسوءات عانى منها ويعاني كل من يطبقها في عالمنا المعاصر ، و لست بكاتم سرًا على أحد عندما أذكر له كمَّ الفساد والانحراف الأخلاقي في منابر الديموقراطية في العالم . 


إنها مثلا تساوي في صندوق الانتخاب بين صوت شيخ الأزهر وصوت راقصة ماجنة داعرة ، ودونك النتائج التي لا تخفى أحد .إنها تكفل الحرية لكل من يريد إبداء رأيه ولو كان مخالفًا لكل الثوابت والمعتقدات ، بل تعطيه حق النشر وتكوين الأحزاب التي تكون منبرًا لهذا الرأي ويكون جزءًا من البرلمان الذي يتحاكم إليه الشعب . إنها أيضا تعني حرية الإعلام المطلقة التي تسمح بازدراء الأخلاق والأديان ، وبدلا من أن كنا نواجه  بعض مخرجي الأفلام و الممثلين الذين دعوا إلى الرذائل والانحلال ، أو بعض المفكرين العلمانيين ، أو حتى بعض المتشددين المتنطعين ، فإننا سنواجه بعد ذلك وفي ظل الديموقراطية المئات بل الألوف منهم . 

إنها كما تحمي المصلحين ، فإنها تحمي أيضا المفسدين ، فمن حق من يدين بالديموقراطية ممارسة مايريد مع من يريد وفي أي مكان يريد . في ظل الديموقراطية سيتوجب عليك أن تقف عند حد معين في تأديبك لأبنائك وزوجتك ، ولا تتجاوزه وإلا سيكون السجن في انتظارك . ولا تعتقد أن هذا الحد يعني الضرب أو الإهانة ، فمنعك مثلا من سفر ابنك أو زوجتك أو مصاحبة من يشاءون وقت ما يشاءون ليس من حقك ، وقس على ذلك .
     
الوقفة الثانية : دعوة للتأمل والتفكر في ديننا العظيم ، فما أحوجنا إلى التمسك به وبتعاليمه ، التي هي خير على العالم أجمع مسلمه وكافره . إن هذه الشريعة الإلهية تحمل بين طياتها كل مميزات النظم الوضعية وتزيد عليها ، ففي الإسلام تُحفظ الحقوق والأموال ، وفيه حرية البيع والشراء والكسب مادام حلالا ، وفيه العدل مع الشريف قبل الضعيف ، وفيه الحرية الموزونة بميزان ٍ لا يُضر فيه أحد ولا يُساء إليه ، وفيه محاسبة الحاكم والمحكوم ، وفيه الرخاء الاقتصادي والعدالة الجتماعية ، وفيه القيم والأخلاق والمبادئ ، وفيه حماية االنفس والعرض والمال ، وفيه .. وفيه .. وفيه .. 
 
ما أحوجنا إلى الرجوع إلى ديننا والتمسك به وبتعاليمه ، ولا يصح أن تسبقنا إلى ذلك الأمم الأخرى ، التي تكتشف من حين لآخر عظمة تشريعاتنا الإسلامية ، بل إن كثيرا منهم يحاول تطبيقها على بني وطنه لما فيها من الفوائد النافعة والمصالح الباهرة .

الوقفة الأخيرة : دعوة لطلب العلم المبني على الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمة ، والنهل من الثقافة والعلوم المختلفة ، فسلاحنا الوحيد في خضم تلك الأحداث هو العلم الشرعي الصحيح والثقافة العلمية الشاملة ، والاجتهاد في نشرهما ، ففي قطار الأحداث الذي يمشي مسرعًا لا يدري أحدنا إلى أي اتجاه سوف يأخذنا ، ولا إلى أين سينتهي به المطاف ، وليس لنا إلا الله .

 

السبت، فبراير 05، 2011

مُعَادَلَة التَّغيِيِـر

















إن تغير الأحوال سنة كونية ماضية ، قد تكون تارة إلى الرفعة والسمو وتارة أخرى إلى الخذلان والضنك . وتأبى النفس الإنسانية بطبيعتها الذل و تكره السأم  وتسعى دومًا إلى التحول للأفضل ، وإن نفسًا لا تتصف بتلك المعالي لا تستحق الحياة . ولكن قبل أن يستقيم أي تغيير ويؤتي ثماره لا بد من إعداد روحي ونفسي ثم إعداد واقعي عملي . 

قد نجني بعض النتائج الحسنة من ثورة انفعالية أو حماسة وقتية ، لكن بإمعان النظر وبالتدقيق في العواقب تختلف الرؤى وتتبدل النتائج بعد حين . فقد شارك بعض أفاضل الصحابة - على حين رفض الكثير منهم - في الخروج على نفر من حكام المسلمين لما يرونه فيهم من مخالفة لأمر الله وشرعه ، وحدث نزاع وقتال كما ذكرت كتب التاريخ والسير ، وأريقت الدماء الزكية ووقعت الفتن ولم يتغير شيء .. نعم لا تعجب لم يتغير شيء ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول تلك الأحداث وأمثالها : "وقلَّ من خرجَ على إمامٍ ذي سلطانٍ إلا كانَ ما تولدَ على فعلِهِ من الشرِّ أعظمَ مما تولدَ من الخيرِ"، حتى قال : "وأما أهلُ الحرةِ وابنُ الأشعثِ وابنُ المهلبِ وغيرُهم فهزموا وهُزمَ أصحابُهم، فلا أقامَوا دينًا ولا أبقَوا دنيَا، والله تعالى لاَ يأمرُ بأمرٍ لا يحصلُ بِهِ صلاحُ الدينِ ولا صلاحُ الدنيا".  

 إن معادلة التغيير قد أجلاها الله بأفصح بيان حين قال جل في علاه  : " إنَّ الله لا يغيَّر مَا بقومٍ حتَّى يغيِّروا مَا بأنفُسِهم " ، وكل تغيير عداه ولو حدث فهو تغيير صوري ما لم يواكبه تغيير في النفس .. كلنا يريد تغيير القادة الظلمة وأصحاب المناصب المفسدين ، لكن أتتوقعون بمجرد الصياح أن يذهب صاحب منصب ما ويأتي بدلا منه أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين الأمة ؟؟ أم معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام مثلا ؟؟ الإجابة بالطبع : لا ، سوف يأتي واحد منا متدين بديننا ومتخلق بأخلاقنا ؟؟ ثم انظروا إلى قدر أخلاقنا وديننا وستعلمون حينئذ حقيقة التغيير ؟؟

وبنظرة خاطفة على تاريخنا الحديث وثوراته المتعددة ، تكاد لا تجد ثورة حدثت في أية بقعة إسلامية إلا وخلفت وراءها واقعًا أشد سوءًا وأضعف قوة و جاهًا . لكن عندما ثار كثير من الناس على الخرافات والشعوذة باسم الدين أصبحت لا تسمع لها صوتًا ، عندما ثاروا على كثير من الموروثات الفاسدة والتقاليد الخاطئة البالية اندثرت ولم تجد لها أثرًا . عندما ثاروا على الجهل بعلوم العصر والتقنيات الحديثة أصبحت ترى لنا علماء في أدق و أصعب المجالات العلمية . عندما ثاروا على ضعف قوتنا العسكرية مقارنة بالغرب وجدت في بلاد الإسلام عامة كل أنواع الأسلحة حتى النووية منها . ولا يلزم أن تكون الثورة زعيقًا وصياحًا وهياجًا ، إنما الثورة الحقيقية تكمن في الإرادة والتصميم ثم حسن التنفيذ والتطبيق ولو تكلف هذا التغيير بعض الأذى والتضييق .. وبذلك تتبدل الأحوال وتنصلح .

ومن العجب بمكان ألا نرى ثورات عارمة ولا انتفاضات شعبية كاسحة جراء ما يحدث للمسلمين في أنحاء العالم من قتل وتعذيب بل وإبادات جماعية ؟! لماذا لم نر ثورات عندما عُطلت كثير من أحكام الشريعة الإسلامية في كل أقطار الإسلام تقريبًا ؟! لماذا لم نر ثورات عندما انتشرت الخلاعة والمجون في بلاد الإسلام وعلى أيدي أبنائها ؟! 
 
إنها ليست دعوة للتظاهر مرة أخرى وليست أيضًا دعوة للإحباط ، ولا محاولة لإعاقة الهمم عن إرادة التغيير ، وإنما هي محاولة لصبها في مسار تجني به - بإذن الله وتوفيقه - ثمار تلك الإرادة الطيبة ، وتنأى بها عن أن تتخطفها معاول الظلام أو تهوي بها رياح التهور في مكان سحيق .
 
 

الجمعة، يناير 07، 2011

الحَاجَة إِلىَ الشَّريعَةِ

















  
خلق الله – عز وجل – الخلق لعبادته ، واصطفى من البشر رسلا لبيان مراده وغايته . وقبل أن يتفضل على عباده ببيان مطلوبه منهم ، ذلل لهم السبل التي تعينهم على تأديته . وكان هذا التذليل على وجهين ، الأول : جعل المخلوقات كالشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها في خدمته . الثاني : إنزال شرعة حكيمة موافقة لمصالحه في العاجل والآجل معًا .

وتتابعت الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – ببشارة من أطاع الله ووحده وطبق شرعته ، ونذارة من رغب عن ذلك وخالفه . حتى جاء خاتم الأنبياء والرسل محمد – صلى الله عليه وسلم – بأفضل وأكمل شرعة ، قال الله في كتابه الحكيم : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " [ المائدة 3 ] .

والإنسان محتاج بطبعه إلى نظام يقيم شئون معاشه ومعاده ، فلو وكل أمر إقامته إليه لفسدت الأرض ومن فيها ، يقول الله تعالى : " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير " [الشورى27]، ويقول تعالى : " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورًا " [ الإسراء 100 ] ، ويقول تعالى عن ظلم الإنسان وجهله : " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا " [ الأحزاب 72 ] .

إن الجهل بمقاصد شريعتنا وخصائصها نأى بنفر غير قليل إلى مسالك الضلال والتشدد ، فألزموا أنفسهم وغيرهم ما لم يلزمهم به الشرع ، بل توعدوا وهددوا كل من خالفهم ، فكانت الفتنة والله المستعان .

وقوم آخرون اتخذوا التيسير مطية للانسلاخ عن الشرع وفعل المحظور ، فشاركوا من قبلهم في الضلال ، والحق بينهما بلا إفراط ولا تفريط . يقول ابن القيم – رحمه الله – في كتابه إعلام الموقعين ( 3 / 3 ) : " وقع بسبب الجهل به – أي بناء الشريعة على مصالح العباد – غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ... " .

الثلاثاء، يناير 04، 2011

إنفلوَنزَا الخنَازِير






















 لا شك أن الابتلاء سنة كونية ماضية على كل المخلوقين ، فالمسلم إذا أصيب وصبر أثابه الله عز وجل وثبته ،وإن أصيب وسخط أثِم و وكله الله إلى نفسه ، و على كل حال علينا دومًا سؤال الله العافية من البلاء و الرضا بقضائه عز وجل وقدره .

ومما ابتلى الله عز وجل به الناس في هذه الأيام  المرض المعروف بإنفلونزا الخنازير - عافانا الله وإياكم - ، وهو مرض ينتقل بين البشر عن طريق اللمس أو التنفس أو عن طريق الرذاذ المنطلق من الفم في حالات البرد والسعال ، يصيب الله به من يشاء ويصرفه عمن يشاء ، كما أنه في بعض أحواله قاتل ؛ ولذلك فالكل يتوجس خيفة منه .

وفي هذا الصدد قرأت مقالة في جريدة الأهرام توضح أن هناك ستة فروق بين الإنفلونزا العادية ( ع ) وإنفلونزا الخنازير ( خ ) ؛حتى لا يفزع الناس من مجرد الإصابة بالبرد أو بالسخونة. وهذه الفروق هي: 1- ارتفاع درجة الحرارة : ( ع ) نادر، ( خ ) أساسي و يستمر في بعض الحالات إلى 3 أو 4 أيام . 2- السعال : ( ع ) يكون مصحوبًا بالبلغم ، ( خ ) يكون حادًا وبدون بلغم . 3- آلام الجسم والصداع :   ( ع ) خفيفة ونادرة الحدوث ، ( خ ) حادة جدًا ومن أساسيات الأعراض . 4- انسداد الأنف : ( ع ) أساسي ويتلاشى خلال أسبوع ، ( خ ) لا يوجد عوارض انسداد أو رشح الأنف . 5- القشعريرة : ( ع ) نادرة الحدوث ، ( خ ) أساسي .   6- تطور الأعراض : ( ع ) بشكل بطيء ، ( خ ) بشكل مفاجئ وسريع في خلال 3 إلى 6 ساعات . سلم الله الجميع .         



الثلاثاء، ديسمبر 28، 2010

أمـَانـَة عَليـك













  




" أمانة عليك .. " كلمة يتداولها الكثير من الناس للتعبير عن رغبتهم في إيصال شيء لأحبابهم ، أو للاطمئنان على إتمام شيء ما . الأمانة خلق كريم يحبه البعض ولا يطبقه ، ويتخلق به آخرون ، يقينًا منهم بأن التمسك بالأمانة سبب عظيم لانتشار السلام النفسي والاجتماعي .  

و للأمانة صور عدة : فمنها الأمانة في تعلم الدين والعمل به وتعليمه ، والأمانة في نقل العلوم ، والأمانة في حفظ الأسرار ، والأمانة في حفظ حاجيات الآخرين ، والأمانة في المسئولية عن شيء ما . وقد حث الشارع الحكيم على أداء الأمانة وحذر من الخيانة في غير موضع من الكتاب والسنة . وما أكثر ما يندرج تحت مفهوم الأمانة في حياة المعلم . فعقول أبنائنا التلاميذ الذين هم عماد المستقبل أمانة .. إتمام أعمال القسم المكلف بها على أفضل وجه أمانة .. إتمام أعمال المدرسة المكلف بها على أتم صورة أمانة ..  أداء أعمال التصحيح للواجبات والامتحانات بدقة وإتقان أمانة .  

ولا يخفى على أحد منا أن الرقيب الحقيقي في ذلك هو الله جل في علاه ، كما أنه ليس لأحد على أحد سلطة حقيقية إلا سلطة الشرع التي تتفاوت بين الناس . أما سلطة القانون والإجراءات التأديبية فيسهل التملص منها بل والتعدي عليها - أحيانًا - من ضعاف النفوس . الأمانة مسئولية معلقة في رقابنا شئنا أم أبينا ، والسعيد من حفظها في الدنيا ؛ ليحفظه الله بها من سعيره في يوم الوعيد .. والسلام